الأحرار يستسلمون أخيرا للمعارضة.. ماذا عن المحاسبة وأي معارضة سيقدمون؟

يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار يستعد لطي صفحة قيادته للحكومة والانتقال إلى صفوف المعارضة خلال الولاية التشريعية الجديدة، في ظل المؤشرات المتداولة بشأن ملامح الأغلبية الحكومية المرتقبة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري. غير أن هذا التحول يطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة المعارضة التي يعتزم الحزب ممارستها، خصوصاً بعدما قضى ولاية حكومية تصاعدت خلالها الانتقادات الموجهة إلى حصيلته في عدد من الأوراش الاجتماعية والاقتصادية، وسط استمرار شكاوى المواطنين من غلاء المعيشة وضغط القدرة الشرائية وصعوبات الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وحسب المعطيات المتداولة بشأن الاجتماع التنظيمي الذي جمع فريقي الحزب بمجلسي النواب والمستشارين، مساء الخميس، فإن قيادة التجمع الوطني للأحرار بدأت تهيئ قواعدها للتعامل مع احتمال الانتقال إلى المعارضة، مع التشديد على أن المنتخبين مطالبون بمواصلة أداء مهامهم سواء كانوا في الأغلبية أو المعارضة. لكن هذا الخطاب يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل يستعد الحزب فعلاً لممارسة معارضة سياسية قوية تراقب الحكومة المقبلة وتحاسبها، أم أنه يبحث عن صيغة تسمح له بالحفاظ على حضوره السياسي دون تقديم تقييم واضح للحصيلة الحكومية التي يتحمل مسؤوليتها؟
فالحزب الذي قاد الحكومة خلال الولاية السابقة لا يمكنه الانتقال إلى موقع المعارضة وكأن شيئاً لم يكن، أو التعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مجرد تغيير في المواقع داخل المؤسسات. إذ إن الانتقادات التي رافقت تدبير عدد من الملفات، من غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية إلى تعثر رهانات اجتماعية وانتظارات مرتبطة بالصحة والتعليم والتشغيل، تجعل التجمع الوطني للأحرار مطالباً بتقديم توضيحات للرأي العام بشأن ما تحقق وما تعثر، بدل الاكتفاء بالحديث عن مواصلة الدفاع عن الأوراش التي ساهم في إطلاقها. فالمعارضة، إذا كانت هي الوجهة المقبلة للحزب، لا تعني محو ذاكرة المواطنين ولا إعفاء القيادة السابقة للحكومة من مسؤولية حصيلتها.
وتزداد التساؤلات بشأن قدرة الحزب على التحول إلى قوة معارضة فعالة بالنظر إلى طبيعة جزء مهم من فريقه البرلماني، الذي يضم منتخبين ورجال أعمال وأصحاب مسارات مهنية وتقنية، في وقت تتطلب فيه المعارضة السياسية أكثر من الحضور داخل قبة البرلمان أو إصدار البلاغات والمواقف العامة. فممارسة المعارضة تستوجب امتلاك رؤية سياسية واضحة، والقدرة على تفكيك اختيارات الحكومة ومناقشة ميزانيتها وتشريعاتها، واقتراح بدائل واقعية، فضلاً عن التواصل مع المواطنين وتأطير مطالبهم وتحويلها إلى مواقف سياسية قابلة للمحاسبة. ولا يتعلق الأمر بالتقليل من كفاءة أي نائب بسبب خلفيته المهنية، بل بالتساؤل عن مدى استعداد الفريق لتجاوز منطق التدبير التقني والمصالح القطاعية نحو ممارسة سياسية حقيقية تقوم على النقد والمساءلة وتقديم البدائل.
كما أن الحديث عن احتمال اعتماد «المساندة النقدية» يثير بدوره علامات استفهام حول حدود المعارضة التي قد يختارها التجمع الوطني للأحرار، خاصة إذا انتهى به الأمر إلى دعم بعض اختيارات الحكومة المقبلة مع توجيه انتقادات محدودة لها. فهل سيقبل الحزب بممارسة معارضة صريحة تضع الملفات الاجتماعية والاقتصادية تحت المجهر، أم سيفضل الاحتفاظ بهامش من التقارب مع الأغلبية الجديدة تفادياً للدخول في مواجهة سياسية قد تعيد فتح النقاش حول حصيلته السابقة؟ وحتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة تسمح بالجزم بالصيغة التي سيعتمدها الحزب، لكن المؤكد أن الانتقال إلى المعارضة لن يكون كافياً وحده لاستعادة ثقة المواطنين، ما لم يقترن بمراجعة سياسية واضحة وتقييم مسؤول لتجربته الحكومية.

تعليقات