آخر الأخبار

جدلية الشرعية والمساءلة.. خطاب ملكي يضع النواب أمام امتحان الأخلاق السياسية ووعود الانتخابات

لم يترك الخطاب الملكي الذي افتتح به الملك محمد السادس الولاية التشريعية الثانية عشرة مساحة للمجاملة. فحين يقول الملك للنواب إن الانتداب «التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي يربطكم بالمواطنين»، فهو لا يلقي موعظة بروتوكولية، بل يضع أمام المنتخبين مرآة قاسية. فالتعاقد يفترض طرفين، والأخلاق تفترض المساءلة، والمسؤولية «أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ» ليست عبارة تزيينية تُرفع في الافتتاح وتُطوى مع أول جلسة.

برلمان وُلد على إيقاع العزوف

غير أن أول ما يصطدم به هذا الخطاب هو سياق ولادة المؤسسة التي يخاطبها. فقد جرت انتخابات 23 شتنبر وسط نقاش واسع حول ضعف المشاركة، وهو ما اعتبره المحلل السياسي البوحسني أمرا غير مفاجئ، بل «رسالة سياسية للمؤسسات». ومن هنا، يصبح السؤال مشروعا: كيف يتحدث نواب عن تعاقد مع مواطنين امتنع كثير منهم أصلا عن التوقيع على العقد؟ وأي شرعية تلك التي تُستمد من صناديق الاقتراع التي لم يتوجه إليها جزء معتبر من الهيئة الناخبة؟

أخلاق تُعلَن ولا تُحاسَب

وهنا تكمن المفارقة الأولى: يرفع الخطاب سقف الأخلاق عاليا، بينما تبقى أدوات المحاسبة أدنى بكثير من هذا السقف. فالتعاقد الأخلاقي، مهما بلغت قوة صياغته، يظل شعارا ما لم تسنده آليات واضحة للجزاء والمراقبة، بدءا من الغيابات المتكررة عن الجلسات، مرورا بالوعود الانتخابية التي تتبخر بعد إعلان النتائج، وصولا إلى المصالح الشخصية التي قد تتخفى خلف الصفة التمثيلية. وفي غياب ذلك، تتحول الأخلاق السياسية إلى بلاغة تُصفَّق لها القاعة، ثم تُنسى في الممرات.

سجل المنتخبين يتكلم قبل الخطابات

ولا يحتاج المتابع إلى كثير من البحث ليجد ما يعكر صفو هذا الخطاب الأخلاقي. فقد تصدرت الواجهة، قبل أسابيع، قضية عمدة طنجة الذي أودع السجن، وسارع حزبه، الأصالة والمعاصرة، إلى تجميد عضويته في جميع هياكل الحزب. وقد يُقرأ هذا الإجراء الحزبي بوصفه تعبيرا عن الحزم، لكنه قد يُقرأ أيضا باعتباره مؤشرا على أن آليات التزكية لم تكن تضع الاعتبارات الأخلاقية في صدارة معاييرها قبل اختيار المرشحين القادرين على الفوز.

ظرفية استثنائية أم فرصة تُهدر من جديد؟

يصف الملك المرحلة بأنها «ظرفية استثنائية، حافلة بالفرص» التي قد لا تتكرر. وتحمل هذه العبارة في طياتها إنذارا أكثر مما تحمل تفاؤلا، لأن الفرص التي لا تتكرر قد تضيع حين يغيب الجهد. ومن يتتبع كواليس تشكيل الأغلبية، بين مشاورات تتعثر، وأحزاب تتحدث عن غياب أي عرض حكومي، ومسودة برنامج تقصي هذا الحزب أو ذاك، قد يخلص إلى أن الأجندة الحزبية تسبق الأجندة الوطنية، وأن الحسابات الضيقة تتقدم على الطموح الذي يتحدث عنه الخطاب.

تعاقد بطرف واحد

وحتى نكون دقيقين، فإن التعاقد الذي يتحدث عنه الخطاب يبدو، في الواقع، مفروضا على طرف واحد. فالنواب مطالبون بالوفاء بالتزاماتهم والارتقاء إلى مستوى المسؤولية، لكن ماذا عن حقوق المواطن حين يخلف النائب وعوده؟ وأي سبيل يملكه الناخب لمحاسبة من منحه صوته، سوى انتظار موعد انتخابي جديد بعد خمس سنوات؟ إن العقد الذي لا يملك أحد طرفيه آليات فعالة للمساءلة لا يستحق هذا الاسم، وإنما هو تفويض مفتوح يستند إلى الثقة وحدها.

من الخطاب إلى الفعل: امتحان الولاية

يبقى الخطاب، في جوهره، دعوة صريحة إلى القطع مع منطق الانتداب بوصفه مكسبا شخصيا، والانتقال إلى منطق المسؤولية. لكن الكلمات الملكية، مهما كانت واضحة، لا تغني عن إرادة سياسية حقيقية داخل الأحزاب والبرلمان نفسه. فالامتحان لن يُجرى في قاعة الافتتاح، بل داخل اللجان وخلال الجلسات العامة، وفي ما ستسفر عنه الولاية من قوانين ومساءلة وحصيلة. وحينها فقط، سيعرف المواطنون ما إذا كان «التعاقد الأخلاقي» التزاما فعليا أم مجرد عبارة جميلة في خطاب افتتاحي.

C’est

المقال التالي