الملك يضع القضاء الإسباني في قلب أزمة الهجرة ويفتح باب المواجهة حول مستقبل الشراكة

رسالة تتجاوز عنوانها
لم يكن الخطاب الملكي الذي افتتح به الملك محمد السادس الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، نصا عاديا في موسم افتتاح البرلمان. فقد خصّص جزءا منه لإسبانيا، وجاءت تصريحاته بشأنها بنبرة غير معتادة في لغة الدبلوماسية بين الجارتين. وعند هذا الحد، يبدأ السؤال الذي لا يمكن تجاهله: لمن كانت الرسالة موجهة فعلا؟
اعتراف بالفشل أم تمهيد لمراجعة قواعد التعاون؟
بدأ الملك بتشخيص عام، قال فيه إن على الجميع أن «نعترف، بكل شجاعة وموضوعية، بأن النموذج الحالي للتعاون، في هذا المجال، أصبح متجاوزا، والأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك». هذه العبارة لا تدين طرفا بعينه، لكنها تفتح الباب أمام ما سيأتي بعدها. فحين يُعلَن أن نموذجا ما انتهت صلاحيته، يصبح من حق صاحب هذا الإعلان المطالبة بنموذج جديد. وربما كان هذا بالضبط ما أراد الخطاب إيصاله.
القضاء الإسباني في قلب أزمة الهجرة
وجاء الجزء الأكثر حدة حين انتقل الملك إلى الحديث عن الجارة الشمالية بالاسم. فقد أقر بأن الشراكة عرفت «تطورات مهمة، في مختلف المجالات»، قبل أن يشير إلى مواجهتها تحديات كبيرة مرتبطة ببعض «المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع». وأضاف أن هذه القرارات «تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين، والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية». وبهذا، وضع الخطاب المنظومة القضائية الإسبانية في صلب النقاش حول تعثر التعاون في ملف الهجرة، رغم استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية.
هل يتحمل القضاء مسؤولية تعثر الشراكة؟
هنا يبرز سؤال جدلي: هل تصلح الأحكام القضائية سببا لتعثر شراكة بين دولتين؟ يرى المتبنون للموقف الذي عبّر عنه الخطاب الملكي أن القوانين التي تعرقل الترحيل تُضعف أي تعاون في محاربة الهجرة غير النظامية. في المقابل، سيقول منتقدو هذا الطرح إن القضاء في الدول الأوروبية لا يحتكم إلى منطق الشراكات السياسية، وإن تحميله المسؤولية قد يحوّل خلافا حول تطبيق القانون إلى أزمة بين الدول. وبين هذين الموقفين، يبرز التحدي المتمثل في التوفيق بين متطلبات التعاون الأمني واحترام الضمانات القانونية والقضائية.
الأوساط السياسية والإعلامية تحت مجهر الخطاب الملكي
لم يقتصر الخطاب على القضاء، بل وجّه الملك انتقاده أيضا إلى ما وصفه بـ«التصريحات اللامسؤولة، والاستغلال المفضوح لبعض الأوساط السياسية والإعلامية». ولم يسمِّ الملك أطرافا بعينها، لكن صياغة الخطاب توحي بأن الرسالة تتجاوز الحكومة في مدريد لتشمل أطرافا أخرى في المشهد الإسباني. وهنا يطرح التساؤل نفسه من جديد: هل يخاطب الخطاب الخارج وحده، أم يسعى أيضا إلى إظهار الحزم أمام الرأي العام المغربي في ملف يحظى بمتابعة واسعة؟
«الابتزاز».. تحذير ملكي يثير أسئلة حول طبيعة الخلاف
وجاء الحسم في جملة واحدة: «الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز». ثلاث كلمات في سياق واحد، لكل منها دلالتها، ولعل «الابتزاز» أثقلها، لأنها تستدعي سؤالا يفرض نفسه: من يبتز من في ملف الهجرة؟ يرفض الخطاب الملكي إخضاع الشراكة للضغط والتهديد، لكنه لا يحدد الجهة التي يمارسها، تاركا المجال مفتوحا أمام تأويلات بشأن طبيعة الخلاف والرسائل التي يحملها إلى الجانب الإسباني.
وثيقة استراتيجية لإعادة رسم مستقبل الشراكة
لم يُغلق الخطاب الباب أمام التعاون، بل أعلن الملك أن «المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية، واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد، يعزز التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي». غير أن مضمون الوثيقة لم يُكشف بعد، ما يترك مساحة واسعة للتكهن بشأن أهدافها ومضامينها. فهل ستكون خريطة طريق فعلية لتعاون جديد مع إسبانيا وغيرها من الشركاء، أم ورقة تفاوضية ستُستخدم في المرحلة المقبلة؟ ستكشف التطورات المقبلة عن طبيعة هذا التوجه، لكن الخطاب الملكي وضع مستقبل التعاون في ملف الهجرة أمام اختبار جديد، وأعاد طرح سؤال التوازن بين المصالح السياسية والالتزامات القانونية في العلاقات بين الرباط ومدريد.
الكلمات المفتاحية: الملك محمد السادس، إسبانيا، الهجرة غير النظامية، افتتاح البرلمان، القضاء الإسباني، الشراكة المغربية الإسبانية.

تعليقات