آخر الأخبار

مشاورات المنصوري تدخل نفق الغموض.. هل يبرر التفاوض السري غياب التواصل مع المغاربة؟

بعد 8 أيام على تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لا يزال المغاربة يجهلون ملامح الأغلبية المقبلة. ويحدث ذلك في ظل غياب شبه كامل للتواصل الرسمي حول مضمون المفاوضات الجارية مع الأحزاب المرشحة للمشاركة فيها.

وكان حزب الأصالة والمعاصرة قد تصدر الانتخابات التشريعية، فعيّن الملك محمد السادس المنصوري رئيسة للحكومة بمقتضى الفصل 47 من الدستور، وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك يوم الثلاثاء. وفي اليوم الموالي، باشرت جولة أولى من المشاورات، استهلتها بلقاء وفدين عن التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، قبل أن تشمل أحزابًا أخرى ممثلة في البرلمان. ولم تحدد تلك اللقاءات، في ما أُعلن للرأي العام، مكونات الأغلبية ولا قواعدها السياسية والبرنامجية. وفي يوم السبت، فوّض المجلس الوطني للحزب لجنة تضم المنصوري وفوزي لقجع وأحمد أخشيشن وعبد اللطيف وهبي لمواصلة التفاوض، بعد نقاش داخلي وصفته المنصوري بأنه «حاد».

هل يبرر التكتم غياب أي إحاطة للرأي العام؟

انتقلت المشاورات إلى مرحلة التفاوض على الأغلبية دون تواصل منتظم يشرح مسارها. فباستثناء تصريحات مقتضبة في ختام الجولة الأولى، لم تعقد رئيسة الحكومة المعينة مؤتمرًا صحافيًا مفصلًا، ولم يُعلن عن ناطق باسم فريق التفاوض يقدم إحاطات دورية. ولا يطالب أحد بكشف الأسماء أو الحقائب قبل نضجها، فالتفاوض على التحالفات يحتاج عادة إلى هامش من السرية. غير أن الشفافية في الأنظمة البرلمانية الديمقراطية لا تعني بث الاجتماعات لحظة بلحظة، بل إطلاع الرأي العام على تقدم المفاوضات وأطرافها وأبرز نقاط الاتفاق والخلاف، قبل إعلان اتفاق ائتلافي يحدد أسس عمل الحكومة.

حين تتحول الإشاعة إلى بديل عن الخبر الرسمي

في غياب هذا التواصل، انتقلت التغطية الإعلامية إلى تداول سيناريوهات متضاربة، بعضها يتحدث عن استمرار أحزاب الأغلبية السابقة، وبعضها عن تحالفات بديلة. وأصبحت عبارات «التسريبات» و«الكواليس» و«طبخة الحكومة» تصف المفاوضات الجارية، فتناسلت الشائعات والأخبار الزائفة. أما تصريحات المنصوري، ومنها قولها إن لكل حزب حرية المشاركة من عدمها بعد غياب العدالة والتنمية عن الجولة الأولى، وإن «المصلحة الوطنية» قاسم مشترك، فلم تكشف طبيعة الأغلبية المنشودة ولا الأحزاب الأقرب إليها.

والأمر لا يخص المتابعين وحدهم، فالمغاربة، بمن فيهم من لم يشاركوا في الاقتراع، معنيون بمعرفة الأغلبية التي ستدبر السياسات العامة وأسسها البرنامجية. ويظل من حق ناخبي الأحزاب الراغبة في دخول الحكومة معرفة الشروط التي تفاوض بموجبها، وهل يستند انضمامها إلى تقارب في البرامج والأولويات، أم إلى ترتيبات تتعلق أساسًا بتوزيع المسؤوليات، خصوصًا إذا كانت قد خاضت الانتخابات ببرامج متباعدة.

هل بدأ التعثر قبل أن تبدأ الحكومة عملها؟

يذهب منتقدون إلى أن هذه الحكومة تحمل أسباب تعثرها منذ ولادتها. فبعد 8 أيام من التكليف، لم تتضح معالم الأغلبية، ولم يُعلن عن أي أساس برنامجي يجمع أحزابها، ولم يُعتمد أسلوب تواصلي يطمئن الرأي العام. ويرون في النقاش «الحاد» داخل الأصالة والمعاصرة مؤشرًا على غياب رؤية موحدة، وفي ترك الساحة للتسريبات دليلًا على إعادة إنتاج ضعف التواصل الذي انتُقدت به الحكومة السابقة. في المقابل، يعتبر آخرون أن التفاوض على التحالفات يقتضي قدرًا من التكتم، وأن 8 أيام مدة قصيرة للحكم على مسار لم يكتمل.

المنصوري أمام أول اختبار للتواصل

تكتسي هذه المسألة أهمية إضافية بالنظر إلى الانتقادات التي واجهتها الحكومة المنتهية ولايتها بسبب ضعف تواصلها. ولهذا تشكل طريقة إدارة المشاورات أول اختبار عملي لأسلوب المنصوري، وقد قدمت مع حزبها خلال الحملة الانتخابية تصورًا لحكومة تراهن على الفعالية والنجاعة وعلى الاستحقاقات الكبرى المنتظرة في أفق نهاية العقد. وبناء الثقة في حكومة كهذه يبدأ من طريقة تشكلها وقدرتها على تفسير اختياراتها.

ويبقى السؤال معلقًا: أين ينتهي حق المفاوضين في التكتم، وأين يبدأ حق الرأي العام في المعرفة؟ وهو سؤال يزداد إلحاحًا كلما طال أمد المشاورات دون إعلان واضح عن مكوناتها واتجاهها العام. فالحكومة المقبلة ليست «طبخة» حزبية تُعد في الكواليس، بل سلطة تنفيذية سترسم جزءًا كبيرًا من سياسات البلاد حتى نهاية ولايتها.

الكلمات المفتاحية: المنصوري، تشكيل الحكومة، المشاورات الحزبية، التواصل السياسي، الأخبار الزائفة

المقال التالي