“المجلس الانتقالي” في ملف الصحراء.. حلّ مؤقت نحو الحكم الذاتي أم غموض يهدد بإطالة النزاع؟

دخل مفهوما «المرحلة الانتقالية» و«المجلس الانتقالي» تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء، فبدا الأمر تقدما في مسار المفاوضات. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن المفهومين يثيران من التساؤلات أكثر مما يقدمان من اليقين. فمدة هذا المجلس وصلاحياته والجهات المشاركة فيه والضمانات المرتبطة به لا تزال مفتوحة على جميع الاحتمالات.
من مدريد إلى واشنطن.. مشروع المجلس يتغير قبل أن تولد مؤسساته
ولا تزال ملامح هذه المؤسسة غامضة رغم ما قطعته المفاوضات. فقد أفاد التقرير، الصادر يومه الخميس، بأن الجولة الثانية في مدريد، يومي الأحد والاثنين، ناقشت إنشاء مجلس انتقالي، وأن فريقي الأمم المتحدة والولايات المتحدة أعدّا، بطلب من المشاركين، مشروعا أوليا لاتفاق إطاري. وفي واشنطن، يومي الاثنين والثلاثاء، جرى نقاش معمق حول المجلس، ثم أُعيد النظر في المشروع بعد مشاورات المبعوث الشخصي مع الأطراف. وهذا يعني أن الوثيقة المؤطرة للمجلس ما زالت في طور المراجعة.
مجلس يدير الانتقال ويتفاوض على الحل.. أين تنتهي الصلاحيات وأين يبدأ النزاع؟
ويزيد الوضع تعقيدا أن التقرير لا يحصر دور المجلس في إدارة العمليات الانتقالية، بل يجعله إطارا للتفاوض حول تفاصيل حل عادل ودائم ومقبول بشكل متبادل. فهل يمكن لمؤسسة واحدة أن تدير الانتقال وتفاوض على الحل النهائي في الوقت نفسه؟ وكيف يتحدد الفاصل بين اختصاصها التنفيذي وما تبقى من مسار التفاوض؟ هذه أسئلة لا يجيب عنها ما ورد في التقرير.
شروط النجاح واضحة.. لكن ترك الصلاحيات مفتوحة قد يحول «الجسر» إلى مرحلة بلا نهاية
وحتى الخبير في الشأن الصحراوي محمد سالم عبد الفتاح، الذي يرى في المجلس أداة لتهيئة الانتقال إلى الحكم الذاتي، يربط نجاحه بشروط صارمة. فهو يتحدث عن «مدة محددة، واختصاصات دقيقة، ومهام قابلة للقياس، وغايات واضحة»، ويحذر من مخاطر إطالة المرحلة الانتقالية أو ترك صلاحيات مؤسساتها دون تحديد. وغياب أي من هذه الشروط يحول المجلس من جسر نحو المؤسسات الدائمة إلى وضع مؤقت قابل للامتداد.
الحكم الذاتي يدخل مرحلة التفاوض على التفاصيل.. فأين يقف هامش المناورة؟
ويبقى كل شيء مرهونا بمفاوضات مقبلة وصفها التقرير بأنها حاسمة في تحديد وظيفة المجلس وصلاحياته والجهات المشاركة فيه والضمانات والجدول الزمني. وبالنسبة للمغرب، الذي أصبح مقترحه للحكم الذاتي أساسا للمحادثات، قال عبد الفتاح إن المملكة «لم تعد مطالبة بالدفاع عن مقترح الحكم الذاتي، وإنما أصبحت أمام تفاوض حول شروط تنزيله». ويفتح هذا التحول سؤال الهامش المتاح في التفاصيل، في وقت يشدد فيه المبعوث الشخصي على أعلى المعايير الدولية وعلى ضمانات دولية قوية.
الأمن والموارد والانتخابات.. من يملك القرار داخل المجلس إذا انفجرت الخلافات؟
وتتضاعف حساسية الملف لأن المجلس سيتولى بعض وظائف المرحلة الانتقالية ويدير الترتيبات التي تسبق قيام المؤسسات الدائمة. وهذه الترتيبات تشمل نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والمصالحة، وتقاسم الموارد، والتدابير الأمنية، والنظم الانتخابية. فمن يملك سلطة القرار في هذه الملفات داخل المجلس؟ وبأي مرجعية تُحسم الخلافات المحتملة بين الأطراف؟ دون جواب واضح، قد تتحول المؤسسة المفترض أن تيسر الانتقال إلى ساحة جديدة للتنازع.
مجلس بلا مدة ولا تركيبة محسومة.. هل يتحول «الانتقال» إلى إدارة طويلة للنزاع؟
وهكذا تتجمع السلبيات المحتملة في صورة واحدة: مجلس بلا مدة محددة، وبصلاحيات غير مضبوطة، وبتركيبة لم تُحسم، وبضمانات لم تتضح، وبجدول زمني لم يُحدد. وإذا تحولت التصورات المطروحة إلى اتفاق واضح ومحدد زمنيا، فقد تصبح المرحلة الانتقالية جسرا نحو الحكم الذاتي. أما إذا بقيت على غموضها، فقد يتحول «الانتقال» إلى وضع مؤقت طويل، ويستمر منطق إدارة النزاع بدل بناء مؤسسات ما بعد النزاع.

تعليقات