إسبانيا على صفيح ساخن.. أزمة السكن تتحول إلى معركة انتخابية ضد سانشيز

تحولت أزمة السكن في إسبانيا خلال الأسابيع الأخيرة من ملف اجتماعي واقتصادي إلى قضية سياسية مركزية، بعدما اصطدمت حكومة بيدرو سانشيز بالبرلمان بشأن حزمة من التدابير الاستعجالية المرتبطة بالسكن، قبل أن يتجه رئيس الحكومة إلى الدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة في 29 نونبر المقبل.
وتكشف الأرقام حجم الأزمة، إذ ارتفعت أسعار المساكن بنسبة 12.2 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، فيما سجلت أسعار المساكن المستعملة زيادة بلغت 12.9 في المائة. ويقدر بنك إسبانيا العجز المتراكم في المساكن بنحو 750 ألف وحدة بين 2021 و2025، في وقت تجاوز فيه عدد الأسر الجديدة خلال 2025 بكثير عدد المساكن الجديدة المنجزة، ما يعكس فجوة متزايدة بين العرض والطلب.
ولا تقتصر الأزمة على أسعار البيع، إذ أصبح الإيجار يشكل العبء الأكبر على ملايين الأسر، خصوصاً الشباب. وتشير بيانات رسمية إلى أن 26.8 في المائة من الأسر التي تستأجر بالسعر السوقي كانت تنفق خلال 2025 أكثر من 40 في المائة من دخلها على الإيجار، مقابل 18.6 في المائة كمعدل أوروبي. كما ساهمت السياحة والإيجارات الموسمية وشراء غير المقيمين للعقارات، إلى جانب النمو السكاني وتكوين أسر جديدة، في زيادة الضغط على سوق السكن، خصوصاً في مدريد وبرشلونة وملقة وفالنسيا والمناطق الساحلية والجزر.
ورغم رفع الحكومة إنفاقها على السكن، من خلال خطة 2026-2030 التي تبلغ ميزانيتها 7 مليارات يورو، فإن نتائج هذه الإجراءات لم تظهر بالسرعة الكافية بالنسبة إلى المواطنين. وسقط مرسومان حكوميان في البرلمان في الثاني من أكتوبر، بعد رفضهما من أحزاب المعارضة، وهو ما كشف مرة أخرى صعوبة تمرير السياسات الكبرى في ظل حكومة أقلية، وعمّق الجدل حول الطريقة الأنسب لمعالجة الأزمة: هل عبر تنظيم الإيجارات وحماية المستأجرين، أم من خلال زيادة البناء وتوفير الأراضي وتخفيف الضرائب وتوسيع العرض؟
ومع الدعوة إلى انتخابات 29 نونبر، أصبح السكن أحد أبرز محاور المعركة السياسية المقبلة. فاليسار يدفع باتجاه توسيع السكن العمومي وتشديد حماية المستأجرين وتنظيم السوق، بينما يركز اليمين على زيادة وتيرة البناء وتسهيل الاستثمار وخفض الضرائب، في حين تربط قوى يمينية متشددة الأزمة أيضاً بالهجرة والسياحة والضغط على الخدمات العامة.
وتتجاوز تداعيات الأزمة الجانب الاقتصادي، بعدما أصبح ارتفاع تكاليف السكن يؤثر على استقلال الشباب وتكوين الأسر والاستقرار داخل المدن. كما تصاعدت الاحتجاجات في عدد من المناطق، ما جعل السكن قضية عابرة للطبقات والتيارات السياسية، تمس الشباب والطبقة الوسطى والأسر العاملة والمستأجرين بشكل مباشر.
ورغم أن الوضع الحالي لا يشبه أزمة العقار التي سبقت الانهيار المالي سنة 2008، وفق مؤشرات القطاع المالي، فإن الخطر الأساسي يتمثل في استمرار ارتفاع الأسعار والإيجارات واتساع الفجوة بين مداخيل المواطنين وتكلفة السكن. لذلك ستكون الانتخابات المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة اليسار واليمين معاً على تقديم حلول قابلة للتنفيذ، خصوصاً أن بناء مئات الآلاف من الوحدات السكنية وتوفير الأراضي وتسريع التراخيص وتوسيع السكن العمومي تحتاج إلى سنوات، بينما تواجه ملايين الأسر ضغوطاً مالية لا تسمح لها بالانتظار طويلاً.
وبذلك انتقلت أزمة السكن في إسبانيا من مجرد مشكلة عقارية إلى أزمة ثقة في المستقبل، وأصبحت مرتبطة مباشرة بسؤال قدرة الدولة على ضمان حق المواطنين في العيش والاستقرار داخل المدن التي يعملون فيها. ومن المرجح أن تظل هذه القضية حاضرة بقوة في المشهد السياسي الإسباني حتى بعد الانتخابات، لأن جذورها تتجاوز الحكومة الحالية وترتبط بفجوة سكنية متراكمة وسوق يواصل رفع الأسعار والإيجارات.

تعليقات