آخر الأخبار

سبتة تُخلي مخيم المهاجرين عشية زيارة الملك.. «العودة الطوعية» تحت وطأة الجوع والضغط

هناك عبارات تفقد معناها حين تُنتزع من سياقها، و«العودة الطوعية» واحدة منها. فعشرات المهاجرين الذين غادروا سبتة المحتلة نحو المغرب لم يعودوا لأن الإقامة في المدينة أصبحت خياراً غير مرغوب فيه، بل لأنها صارت، حسب ما وثقته الكاميرات والتقارير الحقوقية، عبئاً لا يُحتمل.

صباح اليوم الاثنين، جاء آخر فصول هذا الضغط مع تفكيك المخيم العشوائي المقام على شاطئ «ترامبولين»، الذي يضم ما يناهز 3 آلاف مهاجر، أغلبيتهم الساحقة من المغاربة. فقد باشرت الشرطة الإسبانية، بمعية الجيش والحرس المدني، عملية الإخلاء في الساعات الأولى من يوم الأحد، في مشهد جمع بين الأمن والعسكر لإنهاء وجود مخيم لجأ إليه أناس لم يجدوا غيره.

ولم تكن العملية هادئة كما قد توحي بذلك لغة «الإخلاء» الإدارية الباردة. فقد أفادت وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي» بأن الشرطة اعتقلت شخصاً واحداً على الأقل بسبب رشق عناصرها بالحجارة، فيما نُقل آخر إلى المستشفى إثر إصابة في الرأس «على خلفية شجار»، بحسب الوكالة. أما الصورة الأقسى، فكانت لمهاجرين جرى تكديسهم بالقوة، وبإشهار الأسلحة في وجههم، تحت الأمطار.

وهنا يفرض التوقيت نفسه على أي قراءة منصفة، فقد جاء الإخلاء قبل أيام من زيارة ملك إسبانيا للمدينة. ولا يملك الصحفي دليلاً على أن الأمرين مرتبطان، لكنه يملك حق التساؤل: هل هي مصادفة أن يتحول مخيم ظل قائماً أسابيع إلى مشكلة عاجلة عشية الزيارة؟ وهل تُنظَّف المدن من البشر حين يقترب الضيوف الكبار؟

ويزداد السؤال حدة حين تُقرأ الأرقام. فقد اختار أزيد من 100 شاب مغربي العودة الطوعية إلى أسرهم، حسب الصحافة المحلية بسبتة، بعد عشرات آخرين عادوا في الأيام السابقة عقب إخلاء المخيمات العشوائية. وتجاوز عدد العائدين طوعاً 9 آلاف شخص منذ بدء موجات العودة، وهو رقم ضخم يصعب أن تفسّره الرغبة وحدها.

فأي طواعية هذه التي تأتي بعد أسابيع من التجويع والتعنيف والتعذيب؟ لقد رصدت الكاميرات هذه المشاهد منذ اليوم الأول وعلى مدى الشهرين الماضيين، وأكدتها شهادات صادمة وتقارير حقوقية. وحين يُخيَّر الإنسان بين البقاء تحت الضرب والجوع وبين العودة، فإن اختياره الثاني لا يمكن أن يُسمّى حرية، بل هو أقرب إلى الطرد بصيغة مهذبة.

وإذا كان في الصور ما يكفي، فإن تقرير منظمة العفو الدولية «أمنيستي» أضاف إليها ثقل التوثيق. فقد رصد، قبل أيام، عمليات تعذيب واعتداءات خطيرة طالت رجالاً ونساءً وقاصرين، وذكر أنها قد ترقى إلى جرائم بموجب القانون الدولي. ونقل اتهامات للجنود المكلفين بالدوريات بالضرب والمضايقة والإهانة وسرقة الأموال ومصادرة الهواتف وتدميرها، دون مراعاة للسن أو الجنس أو الوضع القانوني. وهكذا يبقى السؤال معلقاً: إذا كانت العودة «طوعية»، فمن الذي دفع إليها، ومن سيُسأل عن ذلك؟

المقال التالي