هل أخطأ بنكيران مع فاطمة الزهراء المنصوري؟

لم تكن أولى خطوات السيدة فاطمة الزهراء المنصوري في مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، بالهدوء الذي ربما كانت تتمناه. فبعد أيام قليلة فقط من تعيينها رئيسة للحكومة، وجدت نفسها أمام أول اختبار سياسي حقيقي، ليس داخل البرلمان، ولا حول توزيع الحقائب الوزارية، وإنما حول مكان اللقاء مع رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران.
فالمنصوري، التي شرعت في مشاورات تشكيل الحكومة، دعت الأمناء العامين للأحزاب السياسية إلى التشاور، وكان من بينهم عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية. غير أن بنكيران، وبعد أن رحب مبدئياً بفكرة اللقاء، رفض الانتقال إلى المقر المركزي لحزب الأصالة والمعاصرة بالرباط، واقترح أن يتم اللقاء في مكان آخر، مبررا موقفه بأن الجهة التي تطلب اللقاء هي التي يفترض أن تنتقل إلى الطرف الآخر.
وهكذا تحولت مسألة المكان إلى قضية سياسية، وربما إلى أول مواجهة رمزية بين رئيسة الحكومة الجديدة وأحد أبرز قادة المعارضة.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد خلاف بروتوكولي: لماذا لا يذهب بنكيران إلى مقر «البام»؟ ولماذا لا تأتي المنصوري إلى مقر «البيجيدي»؟ بل الأكثر من ذلك، لماذا لا يتم عقد اللقاء في مكان محايد كمكتب في البرلمان مثلا؟
لكن السياسة لا تتعامل دائماً مع الأمكنة باعتبارها مجرد جدران وعناوين. فمقر حزب الأصالة والمعاصرة بالنسبة إلى بنكيران ليس مكاناً محايداً. إنه مقر حزب ظل، لسنوات طويلة، أحد الخصوم السياسيين الأكثر حضورا في خطاب العدالة والتنمية.
ولهذا فإن انتقال بنكيران إلى مقر «البام» يمكن أن يحمل، في القراءة الرمزية، معنى يتجاوز مجرد عقد اجتماع للتشاور. لكن المهم هنا هو التمييز بين ما قاله بنكيران فعلا وبين التأويلات السياسية لموقفه.
فالرجل لم يقل إنه يرفض لقاء السيدة المنصوري، بل أكد أنه قبِل مبدأ اللقاء احتراماً لصفتها المؤسساتية كرئيسة حكومة مكلفة بتشكيل الحكومة، وأن اعتراضه انصب على المكان وليس على اللقاء في حد ذاته. كما شدد على أن الخلاف مع «البام» سياسي وليس شخصيا. لذلك نجد بنكيران يتحدث لرئيسة الحكومة بلغة “الصواب” ويخاطبها بالسيدة و”للا” فاطمة.وهذه نقطة مهمة في تحديد علاقة السيدة رئيسة الحكومة المعينة برئيس الحكومة الأسبق.
فلو كان بنكيران يريد إعلان القطيعة مع المنصوري، لكان رفض اللقاء من أساسه. لكنه رفض صيغة اللقاء وليس اللقاء نفسه. فبنكيران يعتبر أن طلب لقائه من طرف رئيسة الحكومة المعينة، بعد إعلان حزبه الاصطفاف في المعارضة وأنه غير معني بأي مفاوضات حول تشكيل الحكومة، جعل اللقاء من منظور حزب العدالة والتنمية، يدخل في إطار ديبلوماسي خالص مفاده أن السيدة المنصوري تمثل الحكومة المغربية، وهي صفة تجعلها ملزمة بالتحاور مع جميع الأحزاب الممثلة في البرلمان.
بهذه الصفة، اعتبر بنكيران أن اللقاء لا يجب أن يتم في المقر المركزي لحزب “البام”، مادام هذا اللقاء سيتم مع المنصوري رئيسة الحكومة وليس مع منسقة القيادة الثلاثية لحزب الأصالة والمعاصرة. وبما أن السيدة رئيسة الحكومة، اختارت مقر حزبها، كان جواب بنكيران بالمثل، ونشر شريطا من صالونه الشهير، اعتبر أن “للا فاطمة المنصوري” كما ناداها في شريطه، من المنطقي أن تأتي عنده مادام هي من طلبت اللقاء.
لكن صفة رئيس الحكومة الأسبق، كان هو الآخر حاضرا في قرار بنكيران. بهذه الصفة، يعتبر بنكيران أن اللياقة الديبلوماسية، تقتضي أن تزور السيدة رئيسة الحكومة السيد بنكيران في منزله. لذلك نجده يستحضر تجربة 2011، حين تصدر حزب العدالة والتنمية الانتخابات، وتم تكليفه بتشكيل الحكومة، قال إنه كان ينتقل بنفسه إلى عدد من الشخصيات والقيادات السياسية التي أراد التشاور معها، مستحضرا زياراته لعبد الرحمن اليوسفي وعباس الفاسي والمحجوبي أحرضان ومحمد بنسعيد آيت إيدر وعبد الواحد الراضي.
تجدر الإشارة إلى أن تحديد مكان التشاور ومن يذهب عند الآخر قاعدة تظل، في نهاية المطاف، ممارسة سياسية يختارها الفاعلون السياسيون، وليست قاعدة دستورية أو قانونية ملزمة. على هذا الأساس يمكن أن نفهم سواء موقف بنكيران أو موقف السيدة فاطمة المنصوري.
هنا تبدأ المفارقة. فبنكيران يستحضر تجربته السابقة كرئيس للحكومة، بينما المنصوري تدخل المشاورات من موقع مختلف: رئيسة حكومة مكلفة بتشكيل أغلبية جديدة، وفي الوقت نفسه منسقة للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة. وهذا التداخل بين الصفة الحكومية والصفة الحزبية، هو الذي جعل مقر «البام» يتحول إلى نقطة حساسة في المشاورات.
ولهذا، فإن قصة «مقر البام» قد لا تكون سوى الفصل الأول من علاقة سياسية جديدة بين فاطمة الزهراء المنصوري وعبد الإله بنكيران. وقد يكون أهم ما في هذا الفصل أن كلا منهما وجه رسالة مبكرة إلى الآخر:
المنصوري تقول: باب الحوار مفتوح، وتتعامل بأسلوب ينهل من موقعها كرئيسة للحكومة، وهو أمر يُحسب لها لأنها لم تدخل في سجالات حزبية مع تصريح بنكيران.
وبنكيران يقول: التعامل بالصواب مطلوب مادامت السيدة رئيسة الحكومة المعينة ونعم للحوار… ولكن بشروط تحفظ موقعي السياسي كرئيس سابق للحكومة.
أما ما سيأتي بعد ذلك، فلن تحسمه الطاولات ولا المقرات، وإنما ستحدده الممارسة السياسية داخل الحكومة والبرلمان، وطبيعة المعارضة التي سيختارها العدالة والتنمية خلال المرحلة المقبلة.
سعيد الغماز – كاتب وباحث

تعليقات