تعذيب مهاجرين في سبتة.. دعوة أممية عاجلة تضع مدريد أمام اختبار استقلالية التحقيق

لم يُخفِ المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب، باو بيريز ساليس، «قلقه البالغ إزاء خطورة» معاملة مهاجرين على أيدي أفراد عسكريين في سبتة، استنادًا إلى ما أوردته منظمة العفو الدولية، مذكّرًا إسبانيا بوجوب فتح تحقيق رسمي في هذه الوقائع.
وفي تصريحات نقلتها صحيفة «إلباييس» في عددها الصادر أمس الجمعة، شدد بيريز ساليس على أن الوقائع الواردة في تقرير «أمنيستي» بشأن تصرفات أفراد القوات المسلحة في سبتة المحتلة قد تشكل أشكالًا من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وقد تصل في بعض الحالات إلى التعذيب، وهو ما يستوجب فتح تحقيق رسمي.
أممي يضع مدريد أمام التزامها: التحقيق واجب حتى دون شكوى من الضحية
لم يكتفِ المقرر الأممي بالتنبيه، إذ ذكّر بأن إسبانيا ملزمة بالتحقيق في هذا النوع من الشكاوى من تلقاء نفسها، بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، مطالبًا بأن يستوفي هذا الإجراء ثلاثة شروط أساسية: أن يكون «سريعًا وفعالًا ومستقلًا».
وأشار إلى أن المادتين 12 و13 من الاتفاقية تلزمان الدول بالتحقيق متى توفرت أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع تعذيب، حتى لو لم يتقدم الضحية بشكوى. وأكد أنه عند وجود شكوك أو مؤشرات كافية، يتعين الشروع في التحقيق بمبادرة من السلطات نفسها، إذ لا مبرر لانتظار شكوى من الضحية المزعومة.
خطوات إيجابية.. لكن التحقيق الداخلي لا يكفي حين تكون المؤسسة طرفًا في القضية
وبين المطالبة والإشادة، رحب بيريز ساليس، في مقابلة مع الصحيفة ذاتها، بخطوات اتخذتها مدريد، قائلًا: «أعتقد أن قرار وزارة الدفاع بإحالة الشكاوى إلى النيابة العامة ومحكمة سبتة، وفتح تحقيق داخلي، خطوة إيجابية»، مضيفًا: «أعتقد أن هذه خطوات إيجابية، ونأمل أن تتخذ وزارة الداخلية خطوات مماثلة إذا اقتضت الضرورة».
غير أن هذا الترحيب لم يمنعه من وضع سقف واضح للاستقلالية، إذ قال: «تُعدّ إجراءات التحقيق الداخلية مهمة لتحديد المسؤولية، ولكن لا بد من وجود فريق تحقيق مستقل، غير تابع للمؤسسة التي ينتمي إليها الأفراد الذين ربما شاركوا في هذه الأحداث، بالإضافة إلى التعاون مع المؤسسات الجنائية أو الصحية ذات الصلة، والتي تمتلك مواردها التحقيقية الخاصة وإمكانية الوصول الفعال إلى جميع الوثائق ذات الصلة». وأضاف أن هذا الفريق ينبغي أن يضم أيضًا مترجمًا فوريًا.
سباق مع الزمن: كل تأخير قد يطمس الإصابات ويُسقط الأدلة
وعن عامل الوقت، كان المقرر واضحًا في دعوته إلى الإسراع، قائلًا: «يجب أن يكون تحقيقًا فوريًا»، محذرًا من احتمال اختفاء الإصابات والتسجيلات المصورة التي تخضع لمدة قانونية للاحتفاظ بها، أو تأثر الشهادات بمرور الوقت وظروف أخرى.
ووفق بيريز ساليس، تشمل هذه السرعة ضمان حصول المتضررين على تقييم طبي ونفسي عاجل وفق بروتوكول إسطنبول، على يد متخصصين مؤهلين، وإجراء الفحص «في بيئة آمنة ومحترمة لا يتعرضون فيها للترهيب، ويضمنون فيها الحماية من أي أعمال انتقامية». ويرى أن حماية المتضررين يجب أن تكون جزءًا لا يتجزأ من عملية التحقيق ذاتها.
ضحايا بلا مأوى وصدمة مضاعفة: لا عدالة دون حماية حقيقية
ولم يغفل المقرر البعد الإنساني، فسلط الضوء على العواقب النفسية المحتملة للأحداث المبلّغ عنها، والتي «قد تُسبب آثارًا نفسية مؤلمة». وأبرز أن كثيرًا من المتضررين ما زالوا «يعيشون في الشوارع أو في وضع هجرة غير نظامي»، وهو ظرف، كما يوضح، «يزيد من الأثر الصادم للأحداث التي ربما مروا بها».
وفي السياق ذاته، يرى المقرر أن التحقيق في حالات سوء المعاملة المحتملة لا ينفصل عن تلبية الاحتياجات النفسية والاجتماعية للمتضررين، محذرًا من أنه «لا ينبغي طردهم أو نقلهم إذا كان ذلك يحول دون وصولهم إلى العدالة، أو يعرضهم للخطر، أو يعرقل التحقيق».
خطاب الكراهية في الخلفية: مهاجرون يُهانون في بلد يُفترض أن يحميهم
وبغض النظر عن أي مسؤولية قد تُحدَّد لاحقًا، يرى بيريز ساليس أن من الضروري تحليل السياق الذي وقعت فيه الأحداث، موضحًا أنها «تندرج ضمن سلسلة من الخطابات العنصرية وكراهية الأجانب، ذات طبيعة لا إنسانية، موجهة ضد المهاجرين أو طالبي اللجوء الذين يتعرضون لسوء المعاملة في البلد الذي من المفترض أن يحميهم».

تعليقات