آخر الأخبار

أرباح البنوك تقفز بـ6,7% والناتج البنكي بالكاد يتحرك: من يدفع ثمن هذا «النمو»؟

بالأرقام وحدها، يبدو المشهد مبهراً، لكن التدقيق يكشف مفارقة تستحق التوقف. فقد حققت البنوك السبع المدرجة في بورصة الدار البيضاء، خلال النصف الأول من 2026، نتيجة صافية حصة المجموعة بلغت 13,35 مليار درهم، بزيادة قدرها 6,7%، بينما لم يتجاوز نمو ناتجها الصافي البنكي المجمّع 1,34%، ليستقر عند 49,7 مليار درهم. وحين تقفز الأرباح بوتيرة تفوق بكثير نمو النشاط، يصبح من المشروع التساؤل: هل هي ثمرة توسع حقيقي في الاقتصاد، أم نتيجة لتحسن بعض البنود، خصوصاً الأعباء والمؤونات؟

الأرباح تتضخم والمخاطر تتراجع: من أين جاء هذا الصعود؟

يبرز الجواب في بند كلفة المخاطر، التي انخفضت من 6,9 مليار درهم إلى 4,5 مليار درهم، أي بفارق يناهز 2,4 مليار درهم. ويُفسّر هذا الانخفاض جزءاً مهماً من نمو الأرباح، في وقت لم تتجاوز فيه نتيجة الاستغلال زيادة قدرها 7,7%، لتصل إلى 24,3 مليار درهم. والمؤونات ليست رقماً هامشياً، فهي تشكل احتياطياً لمواجهة مخاطر تعثر القروض. وعندما تنخفض هذه الكلفة، ينعكس ذلك إيجاباً على الأرباح، وهو ما يفتح النقاش حول مدى استدامة هذا التحسن إذا تغيرت ظروف السوق وارتفعت مستويات المخاطر.

«الشعبي المركزي» و«بنك إفريقيا»: أرباح صاعدة ونشاط تشغيلي متراجع

يبرز «البنك الشعبي المركزي» مثالاً لافتاً، إذ ارتفعت أرباحه بنسبة 10,4%، رغم تراجع ناتجه الصافي البنكي بنسبة 3,2% ونتيجته الإجمالية للاستغلال بنسبة 9,7%، فيما ارتبط جزء كبير من تحسن النتيجة بانخفاض كلفة المخاطر من 2,70 مليار درهم إلى 1,08 مليار درهم. ولا يختلف الأمر كثيراً لدى «بنك إفريقيا»، الذي زادت أرباحه بنسبة 10,2%، بينما تراجعت نتيجته الإجمالية للاستغلال بنسبة 3% إلى 5,9 مليار درهم. وهكذا، تبدو صورة النمو في الأرباح مختلفة عن أداء بعض مؤشرات النشاط التشغيلي.

تراجع عائدات السوق يعيد البنوك إلى جيوب الزبناء

لم تقف البنوك مكتوفة الأيدي أمام تراجع عائدات أنشطة السوق بنسبة 22,7%. فقد ارتفع هامش الفائدة بنسبة 8,1%، وهامش العمولات بنسبة 6,6%، بالتوازي مع نمو القروض التي تجاوزت 1300 مليار درهم. وتبرز هنا مفارقة أخرى؛ إذ ظل سعر الفائدة الرئيسي لبنك المغرب عند 2,25%، في ظل تضخم متحكم فيه، بينما نمت هوامش البنوك بوتيرة أسرع من الناتج البنكي. ويعيد ذلك طرح سؤال حول توزيع كلفة التمويل والخدمات بين البنوك والأسر والمقاولات، خصوصاً في ظل ارتفاع حجم القروض.

87% من الأرباح في يد ثلاثة بنوك: تركّز يفتح سؤال المنافسة

يتجلى ثقل هذا السؤال عند النظر إلى خريطة الأرباح، إذ تستحوذ «التجاري وفا بنك» و«الشعبي المركزي» و«بنك إفريقيا» مجتمعة على قرابة 87% من أرباح القطاع، بينما تتقاسم البنوك الأربعة الأخرى النسبة المتبقية. ويحتفظ «التجاري وفا بنك» وحده بحوالي 5,94 مليار درهم، أي ما يفوق 44% من الإجمالي. وفي سوق يتسم بهذا التركّز، يظل النقاش حول مستوى المنافسة وقدرة الزبون على المقارنة والتفاوض بشأن شروط القروض والرسوم قائماً، خاصة مع محدودية البدائل المتاحة في بعض الخدمات.

الكلفة ترتفع والإيرادات تتباطأ: هل يدفع الزبون الفاتورة؟

تضيف الأعباء بعداً آخر إلى الصورة. فقد ارتفعت مصاريف «الشعبي المركزي» بنسبة 5,7%، وأعباء «بنك إفريقيا» بنسبة 8%، بالتزامن مع استثمارات معلوماتية كبيرة، بينما ارتفع معامل الاستغلال لدى «التجاري وفا بنك» إلى 36,8%، مقابل 35,3% قبل سنة، مع نمو في أرباحه لم يتعدَّ 1,1%. وإذا كانت هذه الاستثمارات تُبرَّر بالتحديث والتحول الرقمي، فإن ارتفاع الكلفة التشغيلية يطرح، في المقابل، سؤالاً حول مدى انعكاسها على أسعار الخدمات والرسوم التي يتحملها الزبناء.

مليارات تتدفق إلى البنوك… فماذا يصل إلى جيب المغربي؟

بلغت أرباح القطاع خلال ستة أشهر ما يعادل 56,3% من توقعات المحللين البالغة 23,69 مليار درهم لكامل السنة، فيما تجاوز «البنك المغربي للتجارة والصناعة» عتبة 72,2% من هدفه السنوي. غير أن ارتفاع أرباح البنوك لا يعني بالضرورة تحسناً موازياً في وضعية زبنائها، خصوصاً المقترضين وأصحاب الحسابات الذين يتحملون فوائد ورسوم الخدمات. لذلك، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى انعكاس هذه النتائج على كلفة القروض والخدمات المصرفية، وعلى جودة العروض المقدمة للأسر والمقاولات، في وقت تسجل فيه مؤشرات الربحية مستويات مرتفعة.

المقال التالي