وزارة الصحة تطمئن والأسر تشتكي.. أين تكمن أزمة أنسولين الأطفال؟

بين قلق الآباء وطمأنة المسؤولين، يقف ملف الأنسولين الخاص بالأطفال المصابين بداء السكري في المغرب عند مفترق أسئلة حارقة. فقد تصاعدت مخاوف العائلات بشأن توفر هذا الدواء في المراكز الصحية، خاصة مع تداول شهادات عن صعوبات في الحصول على أقلام الأنسولين، بينما تؤكد وزارة الصحة أن المخزون كافٍ. ويبقى السؤال المطروح: هل نحن أمام أزمة حقيقية أم مجرد اختلال في التوزيع؟ في هذا التحقيق، نسلط الضوء على مختلف جوانب الملف لفهم الوضع الراهن.
حياة آلاف الأطفال معلقة بحقنة يومية لا تقبل التأجيل. فالأسر المغربية التي تعتمد على الأنسولين لضمان بقاء أبنائها على قيد الحياة لا تجد بديلًا دوائيًا لهذا الهرمون الحيوي، ولذلك يثير أي اضطراب في سلسلة التوريد قلقًا مشروعًا. وقد رصدنا خلال الأسابيع الماضية تباينًا في التجارب؛ فبينما تشكو بعض العائلات من عدم توفر الأقلام، تؤكد أخرى حصولها على العلاج بانتظام، وهو تناقض يستدعي تحليلًا معمقًا.
بدأت القصة مع مطلع سبتمبر، حين تداولت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المجتمع المدني نداءات من آباء وأمهات لأطفال مصابين بالسكري من النوع الأول، يحذرون فيها من نقص في أقلام الأنسولين بعدد من المراكز الصحية، خاصة في جهة الدار البيضاء-سطات. ونظمت بعض الأسر وقفات احتجاجية للمطالبة بتدخل عاجل. وتزامن ذلك مع مرحلة انتقالية تشهدها المنظومة الصحية عبر إحداث التجمعات الصحية الجهوية، وهو ما قد يفسر بعض الاضطرابات المؤقتة.
في المقابل، خرجت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لتؤكد أن مخزون الأنسولين متوفر بكميات كافية، وأن الاستمرارية مضمونة. وأوضحت أن أقلام الأنسولين لم تكن يومًا جزءًا من نظام التوزيع المجاني في المراكز الصحية، إذ يتم توفير الأنسولين في قوارير قابلة للحقن بالحقن التقليدية. ويسلط هذا التوضيح الضوء على نقطة جوهرية: هل تكمن المشكلة في نقص الدواء نفسه أم في نقص الأجهزة المساعدة؟
بين الأنسولين والقلم.. دواء واحد ووسيلتا إعطاء مختلفتان
لفهم هذا الجدل، لا بد من التمييز بين الدواء ووسيلة إعطائه. يوضح الأطباء أن الأنسولين هو المادة الفعالة، بينما القلم مجرد وسيلة لإعطائه، وهناك طريقتان رئيسيتان لذلك.
الأولى تعتمد على القوارير والحقن التقليدية، حيث تُسحب الجرعة بواسطة حقنة ثم تُحقن تحت الجلد، وهي طريقة متوفرة مجانًا في المراكز الصحية. أما الثانية فتقوم على أقلام الأنسولين، التي تحتوي على خرطوشة أو جهاز معبأ مسبقًا، وتسمح بضبط الجرعة بسهولة، كما توفر قدرًا أكبر من العملية، وغالبًا ما يتم توفيرها عبر الجمعيات أو بوصفات طبية خاصة.
وبالنسبة إلى طفل يحتاج إلى حقن متعددة يوميًا، قد يكون القلم أكثر عملية، لكن غيابه لا يعني غياب الأنسولين. ومن هنا تبرز أهمية التوعية، إذ ينبغي للأسر أن تدرك أن البديل موجود، مع ضرورة استشارة الطبيب قبل أي تغيير في طريقة إعطاء العلاج.
هل المشكلة في المخزون أم في مسار التوزيع؟
أما جوهر المشكلة، فيراه مهنيون صحيون التقيناهم وفضلوا عدم الكشف عن هويتهم، في التوزيع لا في الدواء. فقد أكدوا أن الأمر لا يتعلق، وفق تقديرهم، بنقص الأنسولين على المستوى الوطني، بل بتحديات لوجستية، لأن النظام يعتمد على مسارين: الأول مركزي عبر مديرية التموين التابعة للوزارة، والثاني جهوي عبر طلبات عروض أو أوامر شراء، ويظل هذا الأخير محدودًا.
وقد يؤدي ذلك إلى تفاوت في مستوى التوفر بين الجهات، حتى مع وجود مخزون وطني كافٍ. ويضيف المهنيون أن فترة الانتقال إلى التجمعات الصحية الجهوية قد تسبب ارتباكًا مؤقتًا في بعض المناطق، خاصة حيث لم تكتمل بعد آليات التنسيق الجديدة، لكنهم يشددون على أنه لا يمكن الجزم بوجود علاقة سببية مباشرة دون مزيد من التحقق.
شهادات الأسر لا تعني بالضرورة نقصًا وطنيًا.. لكنها تستحق المتابعة
غير أن الأصوات الطبية تحذر من الاستهانة بشهادات الأسر. ففي حوار خاص مع «الجريدة نت»، أكد الدكتور الطيب حمدي، الطبيب والباحث في السياسات الصحية، أن هذه الشهادات يجب ألا تُهمل، لأن أي انقطاع في علاج حيوي يشكل خطرًا داهمًا.
وأوضح أن الأنسولين لا بديل له، في حين يمكن تعويض القلم بوسيلة أخرى بشرط الإشراف الطبي، محذرًا من أن التوقف عن الأنسولين قد يؤدي إلى الحماض الكيتوني، وهي حالة طارئة قد تهدد الحياة في غضون ساعات. كما شدد على ضرورة توفير معلومات واضحة للأسر حول أماكن الحصول على العلاج، وتنظيم حملات توعية بشأن البدائل المتاحة، ودعا إلى إنشاء نظام إنذار مبكر لرصد أي نقص في المخزون وتأمين مخزون احتياطي في كل جهة.
شفافية أكبر في المخزون قد تقلص فجوة الثقة
وأمام هذه المعطيات، تفرض جملة من الإجراءات العملية نفسها، في مقدمتها تعزيز التواصل بين المراكز الصحية والأسر عبر نقاط اتصال واضحة، وتوفير أقلام الأنسولين بشكل منظم عبر الصيدليات الاستشفائية أو الجمعيات، وفق آليات واضحة ومعلنة.
ويضاف إلى ذلك مراقبة المخزون إلكترونيًا على مستوى كل مقاطعة، مع إطلاق تنبيهات عند انخفاض الكميات، وتدريب الطواقم الطبية على إدارة البدائل وإرشاد الأسر، وإشراك الجمعيات في توزيع الأجهزة المساعدة وفق معايير شفافة.
فمصير الأطفال لا ينبغي أن يكون رهينًا بتعقيدات إدارية أو لوجستية، وضمان استمرارية العلاج مسؤولية تتطلب تنسيقًا محكمًا بين مختلف المتدخلين. وبين تأكيدات توفر المخزون وشهادات أسر تتحدث عن صعوبات في الوصول إلى بعض الوسائل، يظل تعزيز الشفافية والتواصل وسرعة الاستجابة ضروريًا لتفادي تحول أي اضطراب محلي في التوزيع إلى مصدر قلق أوسع لدى الأسر.

تعليقات