آخر الأخبار

المنصوري في الرئاسة ولقجع في قلب الملفات الثقيلة.. من يمسك فعليًا بمفاصل المرحلة المقبلة؟

أنهى تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، الثلاثاء، أسابيع من التكهنات التي وضعت اسم فوزي لقجع ضمن المرشحين لقيادة الجهاز التنفيذي، لكنه لم يغلق باب الأسئلة، بل فتح أشدها حرجًا: ما موقع الرئاسة إذا كانت مفاتيح المرحلة موزعة على أكثر من مركز قوة؟ فالوزير المنتدب المكلف بالميزانية في الحكومة المنتهية ولايتها لم يخرج من المشهد بتعيين المنصوري، بل يبدو أنه خرج من معركة الرئاسة محتفظًا بأوراق ثقيلة داخل ملفات ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.

تكنوقراط يتحول إلى وجه حزبي في شهرين: صدفة أم هندسة؟

لم يكن التحاق لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة في يوليو الماضي، قبل نحو شهرين فقط من انتخابات 23 سبتمبر، انتقالًا حزبيًا عاديًا. فالوزير الذي ظل لسنوات محسوبًا على التكنوقراط دخل مباشرة إلى المكتب السياسي للحزب، ونال تزكيته للترشح في دائرة بركان، قبل أن يتخلى عن ترشيحه ويتحول سريعًا إلى أحد أبرز وجوه حملته الانتخابية. ومن ينتقل من موقع الوزير غير المتحزب إلى قلب المكتب السياسي بهذه السرعة، يصعب قراءة مساره بمنطق الانخراط الحزبي المعتاد.

ويزداد هذا المسار إثارة حين يوضع في سياقه، إذ جاء الانضمام في لحظة كان فيها «البام» يبحث عن تعزيز صفوفه بشخصيات ذات حضور إعلامي كبير، فيما كانت قيادته تواجه انتقادات مرتبطة بملفات مختلفة، من بينها الجدل حول عقار لعائلة المنصوري في تسلطانت، والقضية التي أثيرت بشأن فيلا مرتبطة بزوجة عبد اللطيف وهبي. وهنا يفرض السؤال نفسه: هل كان الحزب في حاجة إلى مشروع سياسي مقنع، أم إلى وجه من خارج بيته يعوض به رصيدًا مثقلًا بالجدل؟

حليف يتحول إلى خصم: حين تكشف الحملة هشاشة التحالف

ومع انطلاق الحملة، لم يبق حضور لقجع محصورًا في دائرته ببركان، بل امتد إلى تجمعات الحزب في عدد من المدن، مدافعًا عن برنامجه والتزاماته المالية. وفي الرباط، ظهر إلى جانب مرشحي الحزب لشرح تعهداته، بينما دخل في سجال سياسي حاد مع التجمع الوطني للأحرار، الشريك الرئيسي لـ«البام» في الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها. وهكذا تحولت الحملة إلى اختبار لتماسك التحالف، وبدا أن الحزب الذي يفاخر بالانسجام الحكومي يخوض معركته الانتخابية ضد شريكه نفسه.

وفي وجدة، انتقد لقجع تدبير المدينة التي يرأس مجلسها التجمع الوطني للأحرار، فرد عزيز أخنوش خلال الحملة بانتقادات استهدفت لقجع ووعوده، خصوصًا تلك المرتبطة بالأوراش الرياضية. وبذلك تحول التنافس بين الحزبين من صراع انتخابي تقليدي إلى مواجهة مفتوحة بين حليفين حكما معًا لخمس سنوات. ومنح هذا الحضور القوي حملة «البام» زخمًا إضافيًا، في وقت كان فيه عبد الإله بنكيران يقود حملة هجومية ضد الحكومة وأحزاب أغلبيتها.

كما غذّى هذا الحضور تكهنات بأن دخول لقجع المفاجئ إلى العمل الحزبي يتجاوز تنشيط حملة بدأت باهتة، وإن قال في مقابلة مع «جون أفريك» إنه لم يفكر في رئاسة الحكومة، وإن ما بعد الاقتراع يدخل ضمن الصلاحيات الدستورية للملك.

المالية والمونديال والتنمية الترابية.. ثلاثة ملفات تضع لقجع في قلب المرحلة

غير أن نفي الطموح لا يلغي الوقائع، فتعيين المنصوري رئيسةً للحكومة لا يعني بالضرورة انحسار دور لقجع، إذ يحتفظ بمواقع وصلاحيات تجعله من الشخصيات التي يصعب تجاوزها في هندسة المرحلة المقبلة. فإلى جانب خبرته الطويلة داخل وزارة الاقتصاد والمالية ومديرية الميزانية، يتولى رئاسة لجنة كأس العالم 2030 التي عيّنه الملك محمد السادس على رأسها، كما أصبح رئيسًا لمؤسسة «المغرب 2030» المكلفة بالإشراف على جانب أساسي من مشاريع التحضير للمونديال.

وبذلك يجمع الرجل بين معرفة دقيقة بدواليب المال العمومي وموقع محوري في أضخم ورش رياضي تعرفه البلاد، في وقت تتجه فيه الحكومة المقبلة إلى مرحلة ستتداخل فيها الاستثمارات العمومية مع مشاريع البنية التحتية والتنمية الترابية والتحضير لاستضافة كأس العالم.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ عُيّن في أغسطس الماضي، بصفة انتقالية، آمرًا بالصرف في صندوق التنمية الترابية المندمجة، قبل أن يفوض إلى عدد من الولاة والعمال صلاحيات مرتبطة بصرف اعتماداته وإبرام الصفقات. وتُقدّر الكلفة الإجمالية الأولية لبرامج التنمية الترابية المندمجة بنحو 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات، فيما خصص قانون مالية 2026 للصندوق خمسة مليارات درهم كاعتمادات أداء و15 مليار درهم كاعتمادات التزام.

ويضع تداخل هذه المسؤوليات لقجع عند تقاطع ثلاثة أوراش كبرى ستواجه الحكومة الجديدة: المالية العمومية، والتنمية الترابية، والتحضير لمونديال 2030، وهو ما يجعل موقعه المقبل داخل الحكومة من أكثر الملفات التي ستستحق المتابعة.

«نائب رئيس الحكومة».. منصب غير موجود دستوريًا وسؤال حاضر سياسيًا

ومن هنا يصبح السؤال المطروح بعد تعيين المنصوري أعمق من مجرد «التخلي» عن لقجع بعد انتهاء المهمة الانتخابية، لأنه يتعلق بالموقع الذي سيُمنح له داخل الهندسة الحكومية الجديدة. وكانت «جون أفريك» قد أثارت احتمال أن يلعب دورًا يشبه «نائب رئيس الحكومة»، رغم أن الدستور المغربي لا ينص على منصب بهذا الاسم.

وعرفت تجارب حكومية سابقة وزراء ذوي وزن سياسي أو اقتصادي لعبوا عمليًا أدوارًا مركزية إلى جانب رؤساء الحكومات، من دون حمل هذه الصفة دستوريًا. لذلك فإن الحديث عن «نائب رئيس الحكومة» في حالة لقجع يظل توصيفًا سياسيًا أو إعلاميًا محتملًا، وليس منصبًا دستوريًا قائمًا.

تشكيل الحكومة سيكشف حدود نفوذ لقجع وموقع المنصوري

وإذا عاد لقجع إلى الحكومة بصلاحيات موسعة، فسيعاد طرح السؤال حول طبيعة العلاقة بين موقع المنصوري كرئيسة للحكومة وموقع لقجع داخل الجهاز التنفيذي: هل ستكون أمام رئيسة تقود فريقًا حكوميًا متكاملًا، أم أمام تركيبة تتوزع فيها الملفات الثقيلة بين أكثر من مركز قرار؟

أما فرضية أن التحاقه بـ«البام» كان منذ البداية تكتيكًا لإنعاش الحزب انتخابيًا، أو أن جهة ما دفعته إليه تمهيدًا لمهمة أكبر، فتبقى قراءة سياسية لم تظهر حتى الآن معطيات علنية تثبتها. غير أن الوقائع تظهر انتقاله السريع من مسؤول حكومي غير متحزب إلى عضو في المكتب السياسي وواحد من أبرز المدافعين عن برنامج «البام».

وبينما حُسمت رئاسة الحكومة لصالح المنصوري، لم تُحسم بعد خريطة الصلاحيات داخل الحكومة المقبلة. وسيكون تشكيلها، وتوزيع حقائبها، وتحديد مواقع أعضائها، أول اختبار فعلي لمعرفة ما إذا كان حضور لقجع سيأخذ منحى حكوميًا جديدًا، وما إذا كانت المنصوري ستقود المرحلة من مركز القرار التنفيذي، أم أن ثقل الملفات الكبرى سيفرض توزيعًا أكثر تعقيدًا لمراكز النفوذ.

المقال التالي