آخر الأخبار

من “القضاء على المرض” إلى ظهور حالات جديدة.. ماذا وراء عودة الدفتيريا إلى المغرب؟

لم يسجل المغرب، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، أي إصابة بالدفتيريا، إلى أن عاد المرض إلى الواجهة بعد وفاة شقيقين، يبلغان من العمر 10 و17 عاما، الأسبوع الماضي، في مستشفى بأكادير. وأعلنت وزارة الصحة، بعد ذلك، رصد بؤرتين عائليتين في جهة سوس ماسة، مع تسجيل حالة مؤكدة وثماني حالات أخرى قيد التحري، من بينها حالتا الشقيقين. وبذلك، يسجل المغرب أول إصابة مؤكدة بالمرض منذ 35 عاما.

عودة الدفتيريا بعد 35 عاما

هذا الإعلان لا يكشف عن خطر صحي جديد فحسب، بل يعيد فتح فصل قديم من تاريخ الصحة العامة في البلاد. فقد كانت الدفتيريا من الأمراض الخاضعة للمراقبة في ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن ترتفع الإصابات بها بشكل كبير مطلع الخمسينيات، ما دفع إلى جعل التلقيح ضدها إلزاميا. ثم أخذ عدد الحالات المبلغ عنها في التراجع تدريجيا بفعل حملات التلقيح، وصولا إلى إعلان القضاء على المرض عام 1991.

36 حالة موثقة عام 1935

ولم يكن المرض غريبا عن المغرب قبل ذلك بعقود، فقد ورد ذكره في إحدى أقدم أعداد النشرة الاقتصادية للمغرب، إذ أحصى قسمها الوبائي 36 حالة دفتيريا بين يونيو وشتنبر 1935، خصوصا في بور-ليوطي، القنيطرة حاليا، والشاوية، والرباط-سلا، والغرب، ومنطقة مكناس. ورغم اقتضاب هذه النشرات، فإنها تظهر وجود المرض في مناطق مختلفة من البلاد.

قفزة الإصابات في الخمسينيات

ومع بداية خمسينيات القرن الماضي، صار الارتفاع واضحا للعيان. فقد أفاد مقال بعنوان «الطب الوقائي في المغرب»، نشر في النشرة الاقتصادية والاجتماعية للمغرب، بأن العدد السنوي للحالات، الذي كان بالكاد يتجاوز 400، بلغ 643 حالة عام 1952، ثم 822 عام 1953، و885 عام 1954. وارتفعت بشكل ملحوظ نسبة المرضى المغاربة، فيما وصف كاتب المقال ما حدث بأنه «عودة مفاجئة» للمرض.

التلقيح لمواجهة التصاعد

وأمام هذا التصاعد، جاءت الاستجابة في وقت كانت فيه الإصابات لا تزال في ارتفاع. ففي 15 يونيو 1954، صدر ظهير يجعل التلقيح ضد الدفتيريا إلزاميا، وتلقى أول فوج من التلاميذ اللقاح خلال السنة الدراسية 1954-1955. ولم يكن ممكنا آنذاك الجزم بمدى نجاح الحملة في تغيير مسار انتشار المرض، إذ كان، وفق المقال، «من المبكر جدا معرفة ذلك». وتشير وثيقة لاحقة صادرة عن وزارة الصحة إلى أن اللقاحات المضادة للدفتيريا والكزاز والسعال الديكي أُدخلت عام 1963.

كيف اختفت الدفتيريا؟

ثم انتقل المغرب إلى مرحلة أوسع في مواجهة الأمراض المعدية، فانضم عام 1981 إلى البرنامج الموسع للتلقيح التابع لمنظمة الصحة العالمية. وبعد ست سنوات، أعاد تنظيم هذا النظام تحت اسم البرنامج الوطني للتمنيع، من خلال حملات واسعة استهدفت ستة أمراض تصيب الأطفال، من بينها الدفتيريا. ومع اتساع التغطية بالتلقيح، تراجع عدد الحالات المعلنة؛ فقد أشار مقال نشرته الأكاديمية الوطنية للطب في فرنسا إلى تسجيل 14 حالة عام 1989، ثم حالة واحدة فقط عام 1991. وتعتبر وزارة الصحة أن الدفتيريا قُضي عليها في المغرب منذ ذلك العام.

ماذا يحدث في سوس ماسة؟

عند هذه النقطة، يتوقف السجل المعلن أمام مرض غاب عن الحالات المعلنة في البلاد لعقود، بينما يبقى التحقيق الجاري في سوس ماسة مطالبا بتحديد حجم البؤر المشتبه فيها. وتنتقل الدفتيريا عبر الرذاذ التنفسي أو ملامسة آفات جلدية مصابة، وتعد أخطر أشكالها تلك التي تصيب الحلق، إذ قد يتسبب التورم وظهور غشاء رمادي في انسداد المجاري التنفسية، كما يمكن لسم تنتجه بعض السلالات أن يضر بالقلب والكليتين والأعصاب. ويوفر التلقيح، بما يشمل الجرعات المعززة الموصى بها، حماية من المرض.

عودة تضع الوقاية تحت الاختبار

عودة الدفتيريا إلى سجل الحالات المعلنة، بعد عقود من غيابها، لا تعني بالضرورة عودة وباء واسع النطاق، لكنها تعيد المرض إلى دائرة الرصد الصحي وتطرح أسئلة حول التتبع الوبائي، واستمرار التغطية بالتلقيح، وسرعة التعامل مع الحالات المشتبه فيها. وبين تاريخ طويل من انتشار الدفتيريا ومسار انتهى إلى انحسارها، يبقى حجم ما يحدث في سوس ماسة مرتبطا بنتائج التحريات الوبائية وما ستكشفه من معطيات حول نطاق الحالات وانتشار العدوى.

المقال التالي