صحيفة إسبانية: دعم واشنطن يقوي موقف الرباط ويضع مدريد أمام حسابات جديدة

تبدو الرباط اليوم أكثر ثقة في خطابها الدبلوماسي مما كانت عليه قبل سنوات، وتفسر صحيفة «إل كوريو» الإسبانية هذا التحول بتقارب متقدم مع الولايات المتحدة. وترى الصحيفة أن هذا الدعم عزز موقع المغرب في الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها الصحراء الغربية المغربية، وانعكس على نبرته في التعامل مع جاره الشمالي.
من اعتراف ترامب إلى اليوم.. ورقة أمريكية تعزز موقع الرباط وتطرح سؤال الاستمرارية
وتعود نقطة التحول، بحسب الصحيفة، إلى سنة 2020، حين اعترفت إدارة الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء، بالتزامن مع استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية في إطار اتفاقيات أبراهام. ومنذ ذلك التاريخ، صار الموقف الأمريكي من أبرز الأوراق التي تستند إليها الرباط في تحركاتها، بينما واصلت توسيع شبكة الدول المؤيدة لمقترح الحكم الذاتي أساسًا لتسوية النزاع.
تحالف متين أم ورقة ظرفية؟.. تاريخ طويل مع واشنطن لا يلغي حسابات تبدل الإدارات
غير أن قوة هذه الورقة تطرح سؤالًا مشروعًا: هل هي رصيد ثابت أم معطى ظرفي؟ فالعلاقات بين البلدين، كما تذكر الصحيفة، ضاربة في التاريخ، إذ كان المغرب أول دولة تعترف باستقلال الولايات المتحدة سنة 1777، وتعززت لاحقًا بتعاون أمني وثيق بعد هجمات 11 سبتمبر. وهذا العمق التاريخي يمنح الشراكة متانة، لكنه لا يلغي احتمال تبدل الأولويات بتغير الإدارات في واشنطن.
مدريد تراقب التقارب.. والدعم الأمريكي يرفع سقف الثقة المغربية في ملفات حساسة
وفي مدريد، تُقرأ هذه التطورات بحذر واضح. فتحليلات إسبانية تنقلها «إل كوريو» عن أكاديميين وباحثين تعتقد أن الرباط باتت تتحرك بثقة أكبر في علاقتها مع إسبانيا، بفضل ما تحظى به من دعم أمريكي وإسرائيلي. ويتعلق الأمر بملفات حساسة تتصدرها الهجرة وقضية سبتة ومليلية المحتلتين، إلى جانب الصحراء الغربية المغربية.
أزمة سبتة تعود إلى الواجهة.. هل تبقى الهجرة نقطة الضغط الأكثر حساسية بين الرباط ومدريد؟
وتحضر الهجرة في هذا النقاش بوصفها الملف الأكثر توترًا. فالصحيفة تستعيد أزمة سبتة في مايو 2021، حين دخل أكثر من 8 آلاف مهاجر إلى المدينة في يوم واحد، وسط توتر دبلوماسي بين الرباط ومدريد بعد استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج. وتذهب مصادر إسبانية إلى أن الهجرة ما زالت ورقة قادرة على التأثير في طبيعة العلاقات بين البلدين، وهو تقدير يظل في إطار القراءة الإسبانية للأحداث.
وتشير الصحيفة كذلك إلى أزمة أحدث في سبتة، تحدثت عن دخول أكثر من 80 ألف شخص خلال فترة وجيزة. واعتبرت أن هذه التطورات أعادت إدارة الحدود والهجرة إلى صدارة النقاش حول العلاقة بين الجارتين، وأحيت مخاوف مدريد من هشاشة أمنها الحدودي.
واشنطن لا تمنح الرباط شيكًا على بياض.. المصالح مع مدريد وأوروبا تفرض حسابات موازية
ورغم ذلك، لا تمنح مدريد ورقة ضغط مطلقة للرباط، ولا تملك الرباط حرية كاملة في مواجهتها. فمحللون إسبان يرون أن أهمية المغرب بالنسبة إلى أوروبا لا تقتصر على موقعه الجغرافي، بل تشمل الهجرة والأمن والطاقة والتجارة. وفي المقابل، تشير التحليلات الواردة في التقرير إلى أن الدعم الأمريكي لا يعني غياب القيود أمام المغرب، الذي يرتبط اقتصاده وأمنه بعلاقات واسعة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
اتفاقيات أبراهام في الداخل المغربي.. مكاسب دبلوماسية تقابلها حساسية مستمرة تجاه فلسطين
وتبقى كلفة هذا التقارب موضع نقاش في الداخل أيضًا. فالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام واستئناف العلاقات مع إسرائيل قوبلا بمواقف متباينة داخل الرأي العام المغربي، بين من يراه مكسبًا دبلوماسيًا في قضية الصحراء، ومن يرى فيه مساسًا بالموقف التقليدي من القضية الفلسطينية. وتظل هذه المفاضلة بين المكاسب الاستراتيجية والحساسية الشعبية عنصرًا حاضرًا في تقييم مسار الرباط.
الصحراء في قلب الحسابات.. هل يستطيع المغرب تحويل الدعم الخارجي إلى مكاسب دائمة؟
وتظل قضية الصحراء الغربية المغربية المحور الأساسي في السياسة الخارجية للمملكة، وهي تواصل العمل على تعزيز الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي. وتحاول مدريد، من جهتها، الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الرباط والتعامل مع المواقف الأوروبية والأممية من النزاع، فيما يبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى يستطيع المغرب تحويل هذا الدعم الخارجي إلى مكاسب دائمة، دون أن يخسر توازنه مع شريكه الأوروبي الأقرب؟

تعليقات