آخر الأخبار

لماذا سقط العنصر وخيرات وبنعتيق في الانتخابات رغم رصيدهم السياسي؟

لم تكن انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد محطة لتجديد أعضاء مجلس النواب، فقد حملت معها رسالة سياسية لافتة: ثلاثة أسماء وازنة من أجيال مختلفة سقطت أمام صناديق الاقتراع، رغم عقود من الحضور السياسي والحزبي والبرلماني وحتى الوزاري.

ومن بين أبرز الوجوه التي أغلقت أمامها صناديق الاقتراع أبواب البرلمان، ثلاثة أسماء تنتمي إلى أجيال مختلفة من التجربة السياسية المغربية:امحند العنصر، عبد الهادي خيرات، وعبد الكريم بنعتيق.

ثلاثة سياسيين راكموا سنوات طويلة من العمل الحزبي والبرلماني والحكومي، لكنهم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف خارج المؤسسة التشريعية. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: لماذا انهزموا؟ وإنما أيضاً:لماذا اختاروا العودة إلى المنافسة الانتخابية أصلاً، بدل إنهاء مسارهم السياسي من موقع الاعتزال حفاظا على رصيدهم الحزبي والسياسي؟

امحند العنصر في بولمان، عبد الهادي خيرات في سطات، وعبد الكريم بنعتيق في الرباط المحيط… ثلاثة أسماء لا تحتاج إلى تعريف. لكن الناخبين الذين يعرفون تاريخهم لم يمنحوهم ما يكفي للعودة إلى البرلمان.

فهل نفهم من سقوط تلك الأسماء السياسية، أن الناخب أصبح أكثر وعيا بخصوص تجديد النخب، وأضحى لا يطيق التشبث بالمقعد وإقصاء الشباب والنخب الجديدة؟

العنصر… ترشح رغم قرار الاعتزال وعمر ناهز 84 سنة

ربما تختصر حالة امحند العنصر هذا التحول في الممارسة السياسية التي أصبحت لا تطيق التشبث بالمقعد.

فالرجل أعلن بعد هزيمته أنه كان قد اتخذ قرارا بالابتعاد عن العمل السياسي، وأنه حاول قبل الانتخابات البحث عن مرشح آخر للحركة الشعبية قادر على المنافسة في بولمان حتى من الأحزاب الأخرى، قبل أن يصر مناضلو الحزب على ترشيحه في غياب البديل.هذا ما جاء في تدوينته، وهو ما لم يُقنع لا الناخبين ولا أعضاء الحزب في بولمان. ثم إن عدم وجود البديل، يطرح سؤالالرصيدالسياسي للعنصر في معقله الانتخابي، وقيمة العمل الذي قام به في المنطقة.

وهكذا عاد العنصر إلى المعركة الانتخابية، لكنه خرج منها حاصلا على 3738 صوتا فقط، في دائرة فاز فيها ثلاثة مرشحين، واحتل الرتبة الخامسة وراء مرشح تحالف اليسار، الذي تفوق على العنصر من حيث عدد الأصوات المحصل عليها.

الرقم هنا أكثر بلاغة من كل التحليلات. فمحند العنصر لم يكن يواجه مشكلة في الشهرة أو في التاريخ السياسي. المشكلة كانت في شيء آخر: هل ما زال الرصيد التاريخي قادرا على إنتاج رصيد انتخابي؟

الانتخابات أجابت بالنفي. فالناخب لا يصوت للوزير السابق لأنه كان وزيرا، ولا للأمين العام السابق لأنه كان أمينا عاما، ولا للبرلماني السابق لأنه قضى سنوات طويلة تحت قبة البرلمان. الناخب يصوت لمن يراه قادرا على تمثيله اليوم، بعد التغيير الذي عرفته جغرافيا المنطقة وعقليات الناخبين.

سقوط محند العنصر، يعكس وعيا جديدا لدى الناخب، يفضل نخبا جديدة على وجوه قديمة لا تريد فسح المجال للآخرين ولا تريد التخلي عن المقعد رغم تقدمها في السن.

خيرات… العودة من باب آخر

عبد الهادي خيرات اختار طريقا مختلفا.بعد سنوات من الابتعاد عن الاتحاد الاشتراكي، عاد إلى سطات باسم حزب التقدم والاشتراكية، في محاولة لاستعادة حضور سياسي وبرلماني ارتبط اسمه به لسنوات.

لكن الصندوق لم يمنحه سوى 2092 صوتاً، وبقي خارج المقاعد الستة المخصصة لدائرته.وهنا تبرز مفارقة أخرى: يمكن للسياسي أن يعود إلى الميدان، لكن الميدان قد لا يكون في انتظاره. فالانتخابات لا تعتمد على الذاكرة السياسية وحدها، إنها تحتاج إلى حضور ميداني وتنظيم حزبي وشبكة انتخابية وخطاب قادر على مخاطبة أولويات الناخبين في اللحظة الراهنة.

كما أن الانتقال من حزب إلى آخر لا يعني انتقال الرصيد الانتخابي بالضرورة.

خيرات عاد حاملا تاريخا سياسيا طويلا، لكنه دخل المنافسة تحت راية حزبية مختلفة وفي سياق انتخابي مختلف.وكانت النتيجة كافية لتقول إن العودة السياسية ليست بالضرورة عودة انتخابية.

بنعتيق… عندما لا تكفي الوزارة

أما عبد الكريم بنعتيق، فقد اختار دائرة الرباط المحيط، وهي من أكثر الدوائر التي كان التنافس فيها قوياً، إذ تنافست 18 لائحة على أربعة مقاعد.

دخل بنعتيق المعركة بصفته وزيرا سابقا وقياديا اتحاديا، لكن الاتحاد الاشتراكي حصل في الدائرة على 1373 صوتا محتلا الرتبة السابعة. ويكفي أن نشير إلى تفوق مرشح تحالف اليسار الذي فاز بمقعده، على مرشح الاتحاد الاشتراكي في مفارقة لها أهميتها في الساحة اليسارية.

وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة. هزيمة بنعتيق ليست بالضرورة هزيمة لشخصه فقط، إنها أيضا نتيجة لمعادلة حزبية وانتخابية.فالمرشح مهما كانت تجربته يحتاج إلى حزب قوي داخل الدائرة، وإلى قاعدة انتخابية قادرة على تحويل اسمه إلى أصوات.

لقد دخلبنعتيق ما وصفته بعض التغطيات بـ«دائرة الموت»، فكان عليه أن ينافس ليس فقط الأحزاب، بل أيضا أسماء لها حضور انتخابي وسياسي قوي. لكنه اصطدم بقوة منافسيه إلى جانب ما تعرض له من خذلان من قبل مناضلي الحزب أنفسهم كما عبر عن ذلك في تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي.

أمام هذه التجارب الثلاثة يُطرح السؤال لماذا لا يعتزل السياسيون المخضرمون؟

هذا هو السؤال الأصعب والأهم. لماذا يصر سياسي قضى عقودا في الشأن العام على العودة إلى الانتخابات، بدلا من إعلان نهاية طبيعية لمساره ويفتح أمامه آفاقا جديدة بعيدا عن الانتخابات؟

هناك أكثر من جواب.

بالنسبة إلى العنصر، تبدو الإجابة واضحة: يقول الرجل إنه كان يريد الابتعاد، لكن لماذا لم يبتعد؟اغراء المقعد والاستمرار في التواجد الإعلامي والشهرة، كلها عوامل تغري السياسي المخضرم.

أما خيرات، فتبدو عودته مرتبطة بالرغبة في استعادة الحضور السياسي وإعادة ترتيب موقعه داخل اليسار. إنه موقف يعكس رفض الدخول في النسيان، بعد مسار سياسي موسوم بالتواجد والشهرة.

أما بنعتيق، فقد اختاره حزبه لخوض المنافسة اعتمادا على تجربته السياسية والحكومية. دون إغفال طموح الرجل في الاستمرار في التواجد من خلال مقعد في البرلمان وطموح الاستوزار إن توفرت ظروف ذلك. فالسياسي المخضرم من هذه الطينة، يرفض الدخول في النسيان والابتعاد عن الأضواء والغياب في الإعلام.

لكن هناك سببا أعمق يجعل السياسي المخضرم يرفض الانسحاب: السياسة في المغرب، كما في بلدان أخرى، ليست مجرد وظيفة، إنها بالنسبة إلى بعض السياسيين جزء من الهوية الشخصية والتاريخية.ولهذا يصعب أحيانا على السياسي المخضرم أن يقول: انتهى دوري.

والسبب يكمن في عدم رغبتهم التواري عن الأنظار لأنهم يخافون النسيان الذي يحولهم إلى أسماء لا يهتم بها أحد. ومشكلة هؤلاء السياسيين المخضرمين، يكمن فيعدم قدرتهم على صناعة بدائل أخرى، بعيدة عن الانتخابات، تجعلهم دائمي الحضور والاهتمام، كما يقع في البلدان المتقدمة. في هذه البلدان تجد السياسي المخضرم يفهم جديدا وعي الناخب، ويقرر الانسحاب بشرف وفي عز الشهرة والعطاء. لكنه في المقابل، تجده يعتكف على تدوين تجربته في كتاب أو مقالات، ليتقاسم خبرته مع المهتمين والأكاديميين. كما ينبري آخرون إلى إلقاء محاضرات في الجامعات ومراكز الدراسات. 

الرسالة التي حملتها صناديق 23 شتنبر، تتجلى في كون التاريخ يمنح صاحبه الاحترام، أما المقعد فيمنحه الناخب.

وهذه هي القاعدة التي بدت أكثر وضوحاً في 23 شتنبر. فالجيل الذي عاش مرحلة الأحزاب الكبرى، والقيادات التاريخية، والوجوه التي كانت تستمر في البرلمان لسنوات طويلة، يواجه اليوم جيلا انتخابيا مختلفا. جيل يريد أن يرى المرشح في الميدان، لا في أرشيف البرلمان. جيل يريد خطابا جديدا، لا مجرد استدعاء للماضي. جيل يريد أن يشعر أن من يطلب صوته يعرف مشكلاته الحالية، لا أنه يستند فقط إلى تاريخ سياسي محترم، أصبح في عداد الماضي وجزءا من التاريخ.

ومن هنا، فإن سقوط العنصر وخيرات وبنعتيق لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره سقوط ثلاثة مرشحين. إنه إنذار للأحزاب المغربية بأن تجديد النخب لم يعد ترفا سياسيا.فالقيادات التاريخية يمكن أن تستمر في خدمة أحزابها، لكن ربما من مواقع أخرى: التأطير، والاستشارة، والتكوين، ونقل التجربة إلى الأجيال الجديدة.

أما إبقاؤها في واجهة المنافسة الانتخابية فقط لأن الحزب لا يجد بديلا، فقد يجعل الحزب نفسه يدفع ثمن غياب التجديد.

لقد قالت صناديق 23 شتنبر شيئا بسيطا، لكنه شديد الدلالة: مرحبا بالنخب الجديدة، ولا مكان للسياسيين المخضرمين.

سعيد الغماز – كاتب وباحث

المقال التالي