رغم التوترات السياسية.. 14.19 مليار يورو تكشف قوة المصالح الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا

حين تتعثر السياسة، تتكلم الأرقام. فبين توترات سياسية وضغوط مرتبطة بملف الهجرة في محيط مدينة سبتة، تواصل المبادلات التجارية بين المغرب وإسبانيا مسارها التصاعدي، بعدما تجاوز إجمالي التجارة بين البلدين 14.19 مليار يورو خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، في مفارقة تكشف أن المصالح الاقتصادية تسير بإيقاع مختلف عن الملفات الخلافية.
وتزداد هذه المفارقة وضوحًا عند النظر إلى شهر يوليوز الماضي، الذي سجلت خلاله الصادرات الإسبانية نحو السوق المغربية مستوى قياسيًا بلغ 1.159 مليار يورو، بارتفاع نسبته 2.8 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من سنة 2025، بحسب المعطيات الرسمية الصادرة عن كتابة الدولة الإسبانية للتجارة التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة والمقاولات. ويعني ذلك أن الأجواء المشحونة لم تمنع الشركات الإسبانية من تسجيل مستويات مرتفعة في السوق المغربية.
الصادرات الإسبانية تتجاوز مليار يورو في يوليوز
ولم تكن الضفة الأخرى أقل حركية، إذ واصلت الواردات الإسبانية من المغرب نموها، لتبلغ 816.3 مليون يورو خلال الشهر ذاته، مسجلة زيادة بنسبة 2.5 في المائة على أساس سنوي. وبذلك تجاوز إجمالي المبادلات بين البلدين 1.98 مليار يورو في يوليوز وحده، في مسار حافظ فيه الطرفان على منحى تصاعدي.
غير أن هذا النمو المتبادل يطرح سؤالًا آخر يتعلق بتوزيع مكاسب هذه الدينامية التجارية. فالمعطيات تشير إلى تسجيل فائض تجاري لصالح إسبانيا بقيمة 342.9 مليون يورو خلال يوليوز، وهو ما يعكس استمرار تفوق الصادرات الإسبانية على وارداتها من المغرب خلال الفترة ذاتها.
فائض إسباني يقترب من مليار يورو خلال سبعة أشهر
وعلى امتداد الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، بلغت قيمة الصادرات الإسبانية نحو المغرب 7.58 مليار يورو، بزيادة قدرها 3.4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بينما ارتفعت الواردات الإسبانية من المملكة إلى 6.61 مليار يورو، بنمو سنوي بلغ 3.9 في المائة. وسجل الميزان التجاري خلال الفترة ذاتها فائضًا لصالح إسبانيا بقيمة 967.9 مليون يورو.
ولا تكتمل قراءة هذه الأرقام دون الانتباه إلى أن وتيرة نمو الواردات الإسبانية من المغرب، البالغة 3.9 في المائة، فاقت وتيرة نمو الصادرات الإسبانية نحوه، البالغة 3.4 في المائة. ويعني ذلك أن الفارق التجاري لا يزال لصالح مدريد، بينما تنمو الصادرات المغربية بوتيرة أسرع نسبيًا خلال الفترة نفسها.
المغرب يستحوذ على أكثر من نصف الصادرات الإسبانية إلى إفريقيا
وتكشف أرقام أخرى جانبًا من أهمية السوق المغربية بالنسبة إلى الشركات الإسبانية، إذ يعزز المغرب موقعه باعتباره شريكًا تجاريًا رئيسيًا لإسبانيا في القارة الإفريقية، فضلًا عن كونه سوقًا مهمة للآلات الصناعية والمنتجات الفلاحية والغذائية الإسبانية. وخلال يوليوز وحده، استحوذ المغرب على 54.4 في المائة من إجمالي الصادرات الإسبانية الموجهة إلى إفريقيا، والتي بلغت قيمتها نحو 2.13 مليار يورو.
وفي هذا السياق، أكد وزير الاقتصاد والتجارة والمقاولات الإسباني كارلوس كويربو، خلال مداخلة في 7 شتنبر 2026، أهمية الحضور الاقتصادي الإسباني في المغرب، مشيرًا إلى أن قيمة الصادرات الإسبانية إلى المملكة تتجاوز 12 مليار يورو سنويًا، مقابل نحو 16 مليار يورو من الصادرات الإسبانية إلى الولايات المتحدة. ويرى الوزير أن هذه الأرقام تعكس الوزن المتزايد للسوق المغربية بالنسبة إلى الشركات الإسبانية، داعيًا إلى مواصلة دعم الاستثمارات وتوسيع الحضور الاقتصادي عبر مؤسسات تشجيع التجارة والاستثمار.
منذ 2022.. العلاقات الاقتصادية تواصل الصمود أمام الخلافات
ويأتي هذا الزخم في سياق علاقات اقتصادية تعززت منذ توقيع الإعلان المشترك المغربي الإسباني في أبريل 2022، الذي أرسى إطارًا جديدًا للحوار والتعاون بين البلدين. وتظهر بيانات 2026 أن المصالح التجارية المشتركة حافظت على زخمها، رغم الضغوط المرتبطة بملفات سياسية وهجرة شهدتها المنطقة، بما يعكس مستوى الترابط المتزايد بين الاقتصادين المغربي والإسباني.
وبين مفارقة السياسة وحسابات التجارة، يواصل المغرب ترسيخ موقعه كمنصة إنتاج ولوجستيك رئيسية ضمن الممر الأورومتوسطي، مستفيدًا من بنيته الصناعية وموقعه الجغرافي وشبكة البنى التحتية التي تربطه بالأسواق الأوروبية والإفريقية.

تعليقات