آخر الأخبار

بعد صدمة نسبة المشاركة.. هل سيمنع الملك أسماء بعينها من الدخول إلى الحكومة؟!

مراد بورجى

انتهت انتخابات 23 شتنبر، وبينما أعادت ترتيب الأحزاب الثلاثة، التي شكلت العمود الفقري للأغلبية الحكومية السابقة، فإنها حملت معها رسالة أشد أهمية: نسبة المشاركة “سقطت” إلى 38.08 في المائة، مقابل 50.86 في المائة سنة 2021 و 42.27 في المائة سنة 2016.

انتقلت هذه الأغلبية من 270 مقعدا إلى 228 مقعدا، أي أنها فقدت مجتمعة 42 مقعدا. وفي المقابل، قفز العدالة والتنمية من 13 مقعدا سنة 2021 إلى 54 مقعدا في الانتخابات الحالية، مستعيدا 41 مقعدا دفعة واحدة ويجب هنا التمييز بوضوح بين الشرعية القانونية واتساع التمثيلية السياسية والاجتماعية.

لهذا يصبح رقم 38.08 في المائة رقما سياسيا بامتياز. فهو يكشف أن أغلبية المسجلين فضلت البقاء خارج العملية، وأن ملايين المواطنين ظلوا خارج اللوائح من الأساس. وأزمة انتخابات 2026، بهذه الدلالة، هي أزمة علاقة متراكمة بين المواطن والأحزاب والانتخابات.

كل هذه المعطيات تقود إلى القضية الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة: من سيمثل هؤلاء، ومن سيدبر باسمهم مغرب الإعداد لدولة ولي العهد؟

فالانتخابات أعادت ترتيب الأحزاب، لكنها لم تحسم بعد شكل الحكومة المقبلة. وقد أصبح البام في صدارة انتخابات مجلس النواب بـ97 مقعدا، رحّلهم من عند غريميه الأحرار والاستقلال!!؟، فتسبب ذلك في تبادل اتهامات خطيرة فضحت خلالها المستور. دون الكلام عن توقيف 5 مشتبه فيهم على خلفية قضية ضبط شخص بحوزته حقيبة تحتوي على أوراق انتخابية خلال يوم الاقتراع.

ومع كل هذا، ستدخل الأحزاب مرحلة التفاوض حول الحكومة، ومن هذه اللحظة تصبح أسماء الوزراء المقترحة جزءا من المعركة السياسية الحقيقية، لأن مغرب جيل ولي العهد، الذي ستدبر الحكومة المقبلة شؤونه، ليس مغرب 2021.

إنه مغرب يدخل مرحلة مختلفة، ببرامج وأوراش كبرى في البنيات التحتية والاستثمار والصناعة والتحول الرقمي والتنمية الترابية، وباستحقاقات وطنية ودولية متلاحقة، وباقتصاد يتغير بسرعة، وبذكاء اصطناعي يعيد تشكيل سوق الشغل والتعليم والإدارة، وبمجتمع أصبحت انتظاراته أعلى، وقدرته على تحمل أخطاء التدبير أضعف.

هذا هو مغرب جيل ولي العهد، مغرب سيتطلب من الدولة والحكومة والنخب السياسية مواصفات جديدة أساسها التحدث إلى المغاربة بلغة النتائج لا بلغة الوعود “الكاذبة”.

عند هذه النقطة تستعيد حصيلة الحكومة المنتهية ولايتها حضورها في النقاش.

فهناك أسماء بعينها لا تدخل النقاش باعتبارها أسماء مجردة، وإنما باعتبارها وجوها ارتبطت بولاية حكومية كاملة، وبقرارات وسياسات قاسية وملفات فضائحية أثارت انتقادات سياسية واجتماعية واسعة.

وقد عاش المغاربة، خلال هذه الولاية المنتهية، ضغطا قويا على قدرتهم الشرائية، وارتفاعا في كلفة المعيشة، وتراكم انتظارات اجتماعية واقتصادية، كما شهدت قطاعات وملفات حكومية مختلفة نقاشات حادة حول طريقة التدبير وعلاقة القرار العمومي بالمصالح الخاصة وتضارب المصالح. الوزير الذي يتحمل مسؤولية قطاع خلال خمس سنوات يتحمل أيضا مسؤولية سياسية عن اختياراته وقراراته وحصيلته، وعن مقدار الثقة التي بقيت له لدى المواطنين بعد انتهاء ولايته. وهذه الثقة هي جوهر المسألة.

هل تستطيع الأحزاب التي شاركت في الحكومة السابقة أن تدخل الحكومة المقبلة بالوجوه نفسها وكأن السنوات الخمس الماضية لم تحدث؟

من الطبيعي أن يشتد غضب الملك على حصيلة حكومة لم تعد اختلالاتها قابلة للاختزال في أرقام وبرامج، لأن الأمر يتعلق في النهاية بحصيلة سياسية ستدخل، شئنا أم أبينا، في حسابات المرحلة المقبلة..

ومن الطبيعي أن يشتد غضب الجالس على العرش عندما يتحول هذا الضغط الاجتماعي إلى احتجاج في الشارع. فقد خرج جيل Z حاملا مطالب الصحة والتعليم والشغل ومحاربة الفساد وتحسين شروط العيش، وانتهت احتجاجات 2025 إلى سقوط ضحايا وجرحى واعتقالات. وبغض النظر عن تفاصيل كل محطة من محطات الاحتجاج، فإن الدلالة السياسية الأهم تكمن في أن جزءا من غضب الشباب لم يجد طريقه إلى الأحزاب والمؤسسات، واختار الهروب إلى مدينة سبتة المحتلة يوم جلوس الملك على العرش، ووقوف كل الحكومة أمامه، وهذا وحده كاف لكي يكون مصدر قلق وغضب لرئيس الدولة.

ومن الطبيعي أن يبلغ غضب رئيس الدولة مستوى أشد عندما رأى شباب مغاربة غامروا بحياتهم من أجل الوصول إلى مدينة مغربية محتلة، وأن ينتهي الأمر ببعض هؤلاء الشباب إلى موتهم، ودفنهم بها، وعلى شواهد قبورهم أرقاماً لا أساميهم، ودون مطالبة الحكومة باسترجاع جثت الضحايا لتسليمها لذويهم..لا يمكن أن تكون مثل هذه الصور بعيدة عن غضبه.

ومن الطبيعي أن يشتد الغضب الملكي أكثر عندما تضاف إلى ذلك أسئلة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتضارب المصالح وطريقة تدبير بعض الملفات.فالوزير الذي أمضى خمس سنوات في الحكومة لا يمكن أن يفصل اسمه السياسي عن حصيلة السنوات الخمس، كما لا يمكن أن تصبح مغادرة الحكومة، في حد ذاتها، ممحاة تمحو ما اقترفته من اختلالات وأعطاب وفضائح.

ومن الطبيعي، والحال هذه، أن يبلغ الغضب الملكي ذروته، لأن الأمر لم يعد يتعلق بخطأ في تدبير قطاع، أو بتعثر برنامج، أو بخلاف حول أولوية سياسية. نحن أمام فجوة بين التوجيه والممارسة، وبين الرهان والنتيجة، وبين ما كان يفترض أن تفعله الأحزاب وما انتهت إليه الحياة السياسية فعلا. وعندما تصبح هذه الفجوة واسعة نفهم جيدا دواعي حديثي عن العصيان السياسي للتوجيهات الملكية!

أطرح السؤال انطلاقا من قراءة سياسية للحظة التي دخلها المغرب بعد انتخابات 23 شتنبر. فحصيلة الحكومة السابقة أصبحت جزءا من النقاش الانتخابي، ونسبة المشاركة كشفت عمق أزمة الثقة، والخريطة البرلمانية أعادت توزيع مواقع القوة، بينما يظل تشكيل الحكومة المحطة التي يمكن أن يظهر فيها معنى التغيير الحقيقي.

فالملك، وفق الفصل 47، يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. وهذه الصيغة الدستورية تجعل لحظة التعيين أكثر من مجرد إجراء يلي المشاورات الحزبية، إنها لحظة يمكن أن تُختبر فيها قدرة النظام السياسي على تجديد النخب التنفيذية وربط المسؤولية بالكفاءة والحصيلة والثقة.

وبذلك تتحول لحظة التعيين إلى فرز ثان، يمكن أن يجري عند تشكيل الحكومة، وهذه المرة على مستوى الأشخاص، وهو آخر أمل لدى المغاربة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه: حين تصبح أسماء الأشخاص نفسها موضع اختبار: من يستطيع حمل المرحلة الجديدة؟ ومن استنفد رصيده السياسي؟ ومن ارتبط اسمه بمرحلة انتهت وأصبحت تحتاج إلى مراجعة؟

وهذا يفتح أمامنا تمييزا بالغ الأهمية: عودة حزب إلى الحكومة شيء، وعودة الأشخاص أنفسهم شيء آخر. المسألة لا تتعلق بإدانة أحد، ولا بمحاكمة سياسية خارج المؤسسات، وإنما بالسؤال البسيط حول معنى ربط المسؤولية بالمحاسبة التي وعد بها الملك محمد السادس نفسه أكثر من مرة: ماذا تعني خمس سنوات من سوء التدبير إذا كان الوزير يستطيع العودة إلى الموقع نفسه، بالوجه نفسه والخطاب نفسه، من دون أن تكون الحصيلة موضع اعتبار؟

إن إعادة تدوير الوجوه بعد انتخابات لم يشارك فيها سوى 38.08 في المائة من الهيئة الناخبة ستكون أكثر من مجرد مسألة توزيع حقائب. ستكون رسالة من رئيس الدولة إلى 61,8 % من الشعب الذي يريد تجديد النخب التنفيذية على أساس الكفاءة والحصيلة والثقة والقدرة على الإنجاز، لا من مجرد الموقع الذي منحها إياه الحزب.

لقد حان أوان فرز الأسماء التي ستتصدر تحمّل مسؤولية مغرب جيل ولي العهد. وهنا تحديدا، وبعد كل الأعطاب والاختلالات، يصبح الأمل الذي بقي لدى المواطن هو التطلع إلى القصر، في اتجاه توجيه إنذار شديد اللهجة للأحزاب من اقتراح أسماء تحوم حولها الشبهات أو أثارت الغضب والاحتجاج وشكل وجودها أحد عوامل تغذية التوتر الشعبي والاحتقان الاجتماعي…

المقال التالي