من الحصص إلى المختبرات.. ملفات ثقيلة تفجّر الاحتقان داخل مدرسة التكنولوجيا بالداخلة

تعيش المدرسة العليا للتكنولوجيا بالداخلة على وقع احتقان متصاعد، بعدما رفع المكتب المحلي للنقابة الوطنية للتعليم العالي من لهجته، محذراً من استمرار ما وصفه باختلالات بيداغوجية وإدارية ومؤسساتية، ومحَمّلاً إدارة المؤسسة ورئاسة جامعة ابن زهر، كل في حدود اختصاصاته، مسؤولية استمرار أسباب التوتر وعدم معالجة الملفات والمطالب المطروحة.
وجاء ذلك عقب جمع عام عقده المكتب المحلي، خصص لتدارس ظروف الدخول الجامعي 2026-2027، في ظل شكايات وتظلمات وانشغالات عبر عنها عدد من الأساتذة الباحثين بشأن أوضاع المؤسسة وطريقة تدبير مجموعة من الملفات. وفي بيان استنكاري حمل رقم 01/2026، شددت النقابة على أن الجامعة العمومية لا ينبغي أن تُدار بمنطق الانفراد بالقرار أو تهميش الهياكل والكفاءات، داعية إلى ترسيخ مبادئ الحكامة والشفافية والتشارك واحترام الاختصاصات المؤسساتية.
ويتصدر ملف توزيع الوحدات والحصص التعليمية قائمة نقاط الخلاف، إذ سجل الجمع العام استمرار تحميل الأساتذة الباحثين أعباء بيداغوجية مرتفعة، في ظل ما اعتبره غياب معايير واضحة ومعلنة وموحدة لتوزيع الوحدات والحصص. وتتمسك النقابة بضرورة التمييز بين الغلاف الزمني السنوي للحصص التعليمية والتوزيع الأسبوعي لأنشطة التدريس، استناداً إلى مقتضيات المرسوم رقم 2.23.545 المتعلق بالنظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، ولا سيما المادتين 4 و5.
وطالبت النقابة بتمكين كل أستاذ، منذ انطلاق السنة الجامعية، من بيان واضح ومفصل لخدمته البيداغوجية، يتضمن الوحدات المسندة إليه، وطبيعة الحصص، والغلاف الزمني السنوي، والتوزيع الأسبوعي، إضافة إلى معادلات احتساب مختلف أنواع الدروس. كما ترفض اختزال مهام الأستاذ الباحث في عدد الساعات التي يقضيها داخل قاعات التدريس، مؤكدة أن هذه المهام تشمل أدواراً علمية وبيداغوجية وتأطيرية متعددة.
ويمتد الخلاف إلى طريقة تدبير المؤسسة، حيث انتقد البيان ما وصفه بتجاوز اختصاصات مجلس المؤسسة واللجان والهياكل البيداغوجية والعلمية ومنسقي المسالك والتكوينات. وترى النقابة أن احترام الاختصاصات والمساطر والمداولات يشكل أساساً للتدبير المؤسساتي، رافضة اتخاذ قرارات فردية في الملفات التي يخول القانون بشأنها الاختصاص لهيئة أو لجنة أو مجلس.
كما أعاد البيان إثارة ملف أشغال لجان المداولات خلال نهاية السنة الجامعية الماضية، متحدثاً عن إكراهات وارتباك وتعثرات في التدبير والتنسيق، ومؤكداً رفض تحميل الأساتذة الباحثين مسؤولية اختلالات تنظيمية أو تقنية لا يتحملون مسؤوليتها.
وتطرح النقابة كذلك وضعية المختبرات والموارد البشرية باعتبارها من الملفات المستعجلة، حيث عبرت عن قلقها إزاء ضعف التجهيزات والإمكانات المادية والتقنية والبشرية المخصصة للأعمال التطبيقية والبحث العلمي. كما أشارت إلى خصاص في الموارد البشرية الإدارية والتقنية واستمرار شغور مناصب أساسية، من بينها منصب الكاتب العام للمؤسسة.
وبحسب البيان، يسجل أيضاً خصاص في هيئة الأساتذة الباحثين، بالتزامن مع التوسع في عدد المسالك والتكوينات دون مواكبة ذلك بالموارد البشرية الضرورية، وهو ما تعتبر النقابة أنه يرفع حجم الأعباء الملقاة على الأساتذة الباحثين ويزيد من صعوبة ضمان ظروف بيداغوجية ملائمة.
وفي الجانب المرتبط بالبحث العلمي، أثارت النقابة ما وصفته بتركز الاستفادة من بعض المشاريع والبرامج والمبادرات البحثية لدى فئة محدودة، مطالبة بتوضيح معايير وآليات الاستفادة منها. كما دعت إلى فتح المجال أمام مختلف الكفاءات العلمية، وربط المشاريع البحثية بأولويات جهة الداخلة–وادي الذهب وحاجياتها التنموية والبيئية والاقتصادية، وفق معايير علمية موضوعية ومعلنة وشفافة.
كما أثار البيان تساؤلات بشأن مدى ملاءمة بعض المقتنيات والمواد والتجهيزات للحاجيات الفعلية للمؤسسة، داعياً إلى اعتماد معايير واضحة في تحديد الحاجة والجودة والجدوى، وإعطاء الأولوية للمختبرات والأعمال التطبيقية والبحث العلمي والبنية التحتية.
وفي ظل استمرار هذه الملفات، اتخذت النقابة لهجة أكثر تشدداً، إذ رفض الجمع العام ما وصفه بأشكال الضغط أو الترهيب أو التخويف التي قد تطال الأساتذة بسبب مواقفهم المهنية أو النقابية، خصوصاً في ما يتعلق بالترسيم والتقييم والمسار المهني.
ودعا الجمع العام ممثلي الأساتذة داخل الهياكل المؤسساتية ومنسقي المسالك والتكوينات إلى اتخاذ موقف جماعي، بما في ذلك تجميد أو تعليق المشاركة في بعض المهام ذات الطابع التمثيلي أو التنسيقي، إلى حين فتح حوار مؤسساتي جاد وتحقيق تقدم في معالجة المطالب.
كما أبقى الجمع العام اجتماعه مفتوحاً، معلناً حالة من التعبئة واليقظة النقابية، مع تفويض المكتب المحلي مهمة متابعة تنفيذ مقرراته والتنسيق مع الهياكل الجهوية والوطنية للنقابة الوطنية للتعليم العالي. واحتفظ الأساتذة الباحثون بحقهم في خوض أشكال احتجاجية سلمية ومشروعة، بما فيها الوقفات والاعتصامات، في حال استمرار غياب التجاوب مع مطالبهم.
وفي المقابل، دعا البيان رئاسة جامعة ابن زهر ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار إلى تحمل مسؤولياتهما المؤسساتية، والوقوف على حقيقة الأوضاع داخل المدرسة العليا للتكنولوجيا بالداخلة، واتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة الاختلالات وإعادة الاعتبار للحوار المؤسساتي.
وتضع هذه التطورات الدخول الجامعي الجديد بالمؤسسة أمام اختبار مبكر للعلاقة بين الإدارة والأساتذة الباحثين، في ظل تعدد الملفات المطروحة، من الأعباء البيداغوجية والحكامة، إلى الموارد البشرية والتجهيزات والبحث العلمي، بينما يبرز فتح حوار مؤسساتي واضح، بجدول أعمال والتزامات وآجال محددة، كأحد أبرز المطالب التي تضمنها البيان النقابي.

تعليقات