بعد عودة 152 نائبًا من الولاية السابقة.. هل ينجح البرلمان الجديد في تجاوز حصيلة الرقابة السابقة؟

يقول مثل شهير يُنسب إلى أينشتاين، رغم الجدل الدائر حول مصدره الحقيقي: «الجنون هو أن تكرر التجربة نفسها بالشروط نفسها وتنتظر نتيجة مختلفة». وبين هذا المثل والمشهد البرلماني المغربي الجديد، تبدو المسافة أقرب مما قد يُتصوَّر. فمن أصل 224 نائبًا ونائبة أعادوا الترشح لعضوية مجلس النواب عقب انتخابات 23 شتنبر 2026، نجح 152 منهم، أي بنسبة 67.9 في المائة، في العودة إلى القبة نفسها التي شهدت خلال الولاية السابقة انتقادات لأداء عدد من أعضائها في مجال مراقبة الحكومة، وفق تقييمات متداولة. فهل تمثل هذه العودة استمرارًا للخبرة البرلمانية، أم أنها تضع الولاية الجديدة أمام اختبار تجاوز حصيلة المرحلة السابقة؟
أرقام إعادة الانتخاب تكشف استمرارية واضحة في تركيبة مجلس النواب
قبل موعد الاقتراع، أفادت معطيات رسمية بأن 224 نائبًا ونائبة، يتوزعون بين 204 نواب و20 نائبة، تقدموا بترشيحاتهم لخوض الانتخابات التشريعية. وبمقارنة تركيبة الولاية الممتدة بين 2021 و2026 بلوائح الفائزين الجدد، يتضح أن 152 من هؤلاء، ممن ظلوا أعضاء في المجلس حتى نهاية عهدتهم، تمكنوا من تجديد مقاعدهم.
وبمعنى آخر، لم يشكل دخول البرلمان الجديد قطيعة مع سابقه، بل جاء امتدادًا واضحًا له على مستوى تركيبته البشرية، وإن كانت موازين القوى الحزبية قد شهدت تغييرات متفاوتة.
عودة النواب السابقين تفتح من جديد ملف الحصيلة الرقابية
غير أن هذه الاستمرارية، التي يمكن قراءتها من زاوية الاستقرار وتراكم الخبرة البرلمانية، تفتح في المقابل نقاشًا أكثر حساسية: هل يعكس تجديد الثقة في هذه الوجوه تقييمًا إيجابيًا لأدائها السابق، أم أنه يرتبط بآليات انتخابية وحزبية تتجاوز معيار الحصيلة الرقابية؟
فالولاية التشريعية 2021-2026 ظلت، وفق تقييمات متداولة داخل الأوساط السياسية والحقوقية، موضوع انتقادات بشأن مستوى انخراط عدد من النواب في أدوات المراقبة البرلمانية المتاحة دستوريًا، من الأسئلة الشفوية والكتابية إلى لجان تقصي الحقائق وملتمسات الرقابة.
محدودية أدوات المساءلة تضع فعالية الرقابة البرلمانية تحت الاختبار
يرى مراقبون للشأن التشريعي أن أداء مجلس النواب في مجال مراقبة الحكومة اصطدم، خلال الولاية المنتهية، بعوائق بنيوية تتجاوز مسؤولية الأفراد، من بينها طبيعة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، وآليات اشتغال اللجان الدائمة، ومدى فعالية الجلسات المخصصة للأسئلة الحكومية في ممارسة الرقابة السياسية.
ويعيد هذا الواقع طرح السؤال نفسه مع بداية الولاية الجديدة: هل ستتحول عودة عدد كبير من النواب السابقين إلى فرصة لتراكم الخبرة وتصحيح مكامن الخلل، أم أن التركيبة البشرية نفسها قد تسهم في استمرار أنماط العمل السابقة؟
استمرار الوجوه نفسها يعيد النقاش حول غياب تقييم علني لأداء النواب
اللافت أن نسبة العودة المرتفعة لا تميز، في حد ذاتها، بين النائب الذي راكم حضورًا فعليًا في الأنشطة الرقابية والتشريعية، وبين من كان حضوره محدودًا خلال الولاية السابقة. كما أن غياب معايير علنية وموحدة لتقييم الأداء البرلماني الفردي يجعل من الصعب على الناخب، وحتى على الباحث المتخصص، الفصل بين التجديد القائم على الحصيلة وبين التجديد المرتبط باعتبارات حزبية أو انتخابية محلية.
معايير إعادة الترشيح الحزبي تضع الأحزاب أمام مسؤولية اختيار المرشحين
هذا الوضع يعيد توجيه جزء من النقاش نحو الأحزاب السياسية نفسها، باعتبارها الجهة التي تختار مرشحيها وتحدد أسماء المتنافسين على المقاعد البرلمانية.
وحين تُعاد ترشيح وجوه لم تترك، بحسب الانتقادات المتداولة، أثرًا رقابيًا واضحًا خلال ولايتها السابقة، يبرز سؤال مشروع حول المعايير التي تحكم عملية إعادة الترشيح: هل تحضر الحصيلة البرلمانية والكفاءة التشريعية بالقدر نفسه الذي تحضر فيه الاعتبارات التنظيمية والانتخابية والمحلية؟
ومن دون آليات داخلية أكثر وضوحًا لتقييم أداء النواب قبل إعادة ترشيحهم، يبقى من الصعب تحديد مدى ارتباط التجديد البرلماني بنتائج العمل التشريعي والرقابي السابق.
نتائج الاقتراع تعيد طرح سؤال دور الناخب في محاسبة ممثليه
في المقابل، لا يمكن فصل هذه الاستمرارية عن خيارات الناخبين أنفسهم. فعودة 152 نائبًا من أصل 224 ممن أعادوا الترشح تطرح تساؤلات حول طبيعة المعايير التي تحكم التصويت في الانتخابات التشريعية.
فهل يستند الناخب، في اختياره، إلى تقييم أداء النائب في مجالي التشريع والرقابة، أم أن اعتبارات أخرى، مثل الخدمات المحلية والعلاقات الاجتماعية والتموقعات الحزبية والجهوية، تؤدي دورًا مؤثرًا في تحديد نتائج الاقتراع؟
ولا يمكن حسم هذا السؤال من خلال نسبة إعادة الانتخاب وحدها، إذ تتداخل في القرار الانتخابي عوامل متعددة تختلف باختلاف الدوائر والمرشحين والسياقات المحلية.
الولاية الجديدة أمام اختبار تحويل الخبرة المتراكمة إلى رقابة أكثر فاعلية
أمام هذه المعطيات، تدخل الولاية التشريعية الجديدة وهي تحمل تركيبة تضم عددًا كبيرًا من النواب الذين راكموا تجربة سابقة داخل المؤسسة التشريعية. وقد يمثل ذلك فرصة للاستفادة من الخبرة المتراكمة في العمل البرلماني وفهم آليات التشريع والرقابة، كما يضع النواب العائدين أمام مسؤولية تقديم حصيلة أكثر وضوحًا خلال السنوات المقبلة.
وفي المحصلة، لن تكون نسبة العائدين وحدها معيارًا للحكم على أداء البرلمان الجديد، بل ما ستنتجه هذه التركيبة من مبادرات تشريعية، وأدوات رقابية، ومساءلة للحكومة، وحضور فعلي داخل المؤسسة التشريعية. وهنا سيبقى السؤال مفتوحًا أمام البرلمان والأحزاب والناخبين معًا: هل ستتحول عودة الوجوه السابقة إلى تراكم للخبرة، أم إلى استمرار للنقاش نفسه حول فعالية الرقابة البرلمانية؟
كلمات مفتاحية: مجلس النواب، الرقابة البرلمانية، الأحزاب السياسية، انتخابات 2026، المساءلة الحكومية.

تعليقات