من يملك القرار في حياة الطفل؟.. وسيط المملكة يكشف تناقضات بين الحضانة والولاية

تخيّل أماً تريد نقل ابنها من مدرسة إلى أخرى، فتُصدم بأن القانون لا يعترف بحقها في توقيع شهادة المغادرة وحدها. وتخيّل امرأة تحمل حكم الحضانة بيدها، وتُمنع، رغم ذلك، من استخراج جواز سفر لابنها أو السفر به لقضاء عطلة، لأن التوقيع الحاسم يبقى بيد رجل قد لا تربطها به أي علاقة تُذكر منذ سنوات. هذه ليست حالات استثنائية معزولة، بل نمط إداري متكرر كشفت عنه مؤسسة وسيط المملكة في وثيقة رسمية ضمن مقترحاتها لمراجعة مدونة الأسرة، ليطرح سؤالاً استفزازياً بامتياز: من يملك الطفل فعلياً، من يربيه أم من يوقّع له؟
حين تصبح الحضانة مسؤولية بلا سلطة
القانون يمنح الأم الحضانة، لكنه يحتفظ بمفاتيح القرار لدى الأب. فالمرأة التي تُثقل كاهلها بالمهام اليومية لتربية أبنائها، تكتشف أن سلطتها الفعلية تتوقف عند حدود المدرسة والمستشفى والحدود الجغرافية للبلد. فحين تحتاج إلى دفتر الحالة المدنية، أو جواز السفر، أو حتى شهادة انتقال مدرسية، تصطدم بجدار الموافقة الأبوية، حتى لو لم يكن الأب طرفاً حاضراً في حياة أبنائه اليومية. أليس من المفارقة أن تُمنح المرأة «حضانة» بلا «حق تصرف»؟
المال للأب.. والأعباء على الأم: أين يذهب حق الطفل؟
الأغرب أن الخلل لا يتوقف عند الوثائق، بل يمتد إلى المال. فقد رصدت المؤسسة حالات يستمر فيها الأب في قبض التعويضات العائلية باعتباره «ولياً شرعياً»، رغم أن الحضانة، أي المسؤولية الفعلية والمصاريف اليومية، أُسندت إلى الأم. بمعنى آخر: من يربي لا يستفيد، ومن لا يربي يستفيد. وتزيد بطء الإدارات في التوصل بأحكام الطلاق والحضانة الطين بلة، إذ يستمر صرف التعويضات أحياناً لمن سقطت عنه صفة الاستفادة أصلاً. سؤال بسيط يفرض نفسه: كم أماً حاضنة دفعت من جيبها الخاص، بينما كان تعويض أبنائها يذهب إلى حساب آخر؟
هل يفقد الزواج الأم حقها في الحضانة؟
أما المفارقة الأكثر إثارة للجدل، فتتعلق بمصير الحضانة حين تتزوج الأم من جديد. فالقانون يُسقط حضانتها بمجرد الزواج، في حين لا يخضع الأب للمعيار نفسه إن تزوج هو الآخر. وكأن زواج المرأة، في نظر النص القانوني، يُفقدها الأهلية للأمومة، بينما يبقى زواج الرجل أمراً عادياً لا يمس أبوته. مؤسسة الوسيط لم تتردد في وصف هذا الوضع بأنه إشكال حقيقي على مستوى المساواة، مقترحة ألا يكون الزواج، في حد ذاته، سبباً كافياً لسقوط الحضانة، ما لم يثبت عدم أهلية الأم فعلياً.
الجدة تربي اليتيم.. والقانون لا يراها
الإشكال يتجاوز الأمهات إلى الجدات أيضاً. فبعض الجدات يتكفلن فعلياً بحضانة أحفاد يتامى، لكن الدعم المخصص للأرامل الحاضنات لا يصلهن، لأن الصيغة القانونية تشترط أن تكون الحاضنة هي الأرملة نفسها، لا أي حاضنة أخرى. ونتيجة ذلك: امرأة تربي طفلاً يتيماً فعلياً، لكنها «غير موجودة» قانونياً في معادلة الدعم. وتقترح المؤسسة تصحيح هذا الخلل بربط الدعم بالوضعية الفعلية للحضانة، لا بالصفة القانونية الجامدة.
من سيُحاسَب على «ختم» يؤخر حياة طفل؟
هذه المقترحات لا تكشف فقط عن ثغرات تقنية في القانون، بل تعيد طرح سؤال أعمق: هل ما زالت مدونة الأسرة تنظر إلى الأم الحاضنة كشريكة كاملة الأهلية في تربية أبنائها، أم كوصية مؤقتة تحتاج دوماً إلى ختم رجل لإتمام أبسط الإجراءات؟ الجواب، كما تكشفه وثيقة وسيط المملكة، يبدو أقرب إلى الاحتمال الثاني. وبين توقيت خروج هذه المقترحات، غداة الانتخابات وقبيل تشكيل الحكومة المقبلة، وحجم التفاصيل التي راكمتها المؤسسة من شكايات حقيقية، يصعب اعتبار هذا الملف مجرد توصية عابرة، بل اختباراً حقيقياً لجدية أي حكومة مقبلة في التعامل مع مساواة لم تعد قابلة للتأجيل.
عندما يصبح التوقيع أقوى من الحضانة
تبقى هذه الملفات مرآة لواقع إداري لا يزال يقيس الأبوة بالتوقيع لا بالمسؤولية، ويقيس الأمومة بالحضور اليومي، دون أن يمنحها السلطة الكاملة لممارسة هذه المسؤولية. وطالما ظل القانون يفصل بين من يربي ومن يوقّع، وبين من يتحمل الأعباء ومن يقبض التعويض، فإن كل إصلاح جزئي سيبقى قاصراً عن الإجابة عن السؤال الأصلي: هل الحضانة مسؤولية كاملة، أم مجرد وصاية منقوصة بانتظار ختم آخر؟ الكرة الآن في ملعب الحكومة المقبلة، وورش مراجعة مدونة الأسرة سيكون أول اختبار حقيقي لمدى جديتها في الإجابة.

تعليقات