آخر الأخبار

الأحزاب الخاسرة تراهن على القضاء.. هل الطعون تعويض عن هزيمة انتخابية؟

بمجرد أن أعلنت وزارة الداخلية النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، بدأ سباق موازٍ داخل أروقة القضاء، إذ سارعت أحزاب لم تحقق النتائج التي كانت تطمح إليها إلى الإعلان عن نيتها الطعن في محاضر عدد من الدوائر. سؤال يفرض نفسه بقوة: هل يتعلق الأمر فعلًا بخروقات مثبتة تستوجب تدخل القضاء، أم أن الطعون تحولت إلى أداة سياسية لامتصاص صدمة الهزيمة الانتخابية؟

القضاء.. ملجأ أخير أم ورقة ضغط سياسية؟

أعلنت وزارة الداخلية، الجمعة، أن النتائج النهائية لانتخابات 23 شتنبر تطابق تمامًا النتائج العامة المؤقتة، مع إيداع المحاضر لدى المحكمة الدستورية، فيما ظلت المساطر القانونية الخاصة بالطعون مفتوحة أمام المترشحين. ويحق لهؤلاء الاطلاع على محاضر مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء خلال ثمانية أيام، وفق المقتضيات القانونية.

غير أن التوقيت اللافت الذي بادرت فيه الأحزاب إلى الإعلان عن توجهها القضائي، بالتوازي مع خيبة أملها في صناديق الاقتراع، يطرح تساؤلًا مشروعًا حول ما إذا كانت الطعون مسطرة قانونية بحتة، أم مؤشرًا على أزمة ثقة أعمق في المسلسل الانتخابي برمته.

الاستقلال.. بين خروقات مثبتة وفارق 12 صوتًا يؤرق القيادة

يتصدر حزب الاستقلال قائمة الأحزاب المتجهة نحو القضاء، إذ يستعد للطعن في نتائج ثلاث دوائر، هي اليوسفية، والفحص-أنجرة، والرباط المحيط. وبحسب المعطيات المتداولة، يرتبط توجه الحزب بملاحظات حول عمليات الفرز، وعدم توصل ممثليه بجميع المحاضر.

الأمر الأكثر إثارة للجدل يتركز في دائرة الفحص-أنجرة، حيث لا يفصل سوى 12 صوتًا بين مرشح الاستقلال إدريس ساور المنصوري ومرشح الأصالة والمعاصرة عبد السلام الشلاف، الذي حصل على المقعد. فارق ضئيل يجعل من الصعب حسم الجدل: هل يكفي هامش بهذا الضيق لتبرير طعن قضائي كامل، أم أن الحزب يستغل الفارق الرقمي لفتح معركة أوسع تتجاوز حدود هذه الدائرة بعينها؟

أما في الرباط المحيط، فيتحدث الحزب عن إعادة عمليات الفرز أكثر من مرة، وعن عدم تسليم ممثليه جميع المحاضر، بينما أثارت نتيجة اليوسفية ملاحظات إضافية لدى قيادته، التي تعمل على استكمال الوثائق قبل سلوك المسطرة القضائية.

تحالف اليسار.. طعون بالجملة أم معركة انتقائية؟

يستعد تحالف اليسار بدوره لتقديم طعون في عدد من الدوائر، حيث تتركز المعطيات المتداولة حاليًا على مكناس، وطنجة، وبولمان، والدار البيضاء، وجرادة، وهو اتساع جغرافي يطرح سؤالًا حول طبيعة الاستراتيجية: هل تستند هذه الطعون إلى ملفات موثقة في كل دائرة على حدة، أم أن التحالف يوسع الجبهة لتعويض ضعف حصيلته العامة؟

ويؤكد التحالف أنه يتوفر على محاضر ووثائق يقارن من خلالها النتائج المعلنة بالنتائج المسجلة في نسخ محاضر مكاتب التصويت، خصوصًا في بعض المناطق القروية. كما يدرس الطعن في دائرة عين الشق بالدار البيضاء، حيث كان الفارق بين مرشحه والمقعد محل التنافس محدودًا جدًا.

وفي طنجة، يندرج التوجه نحو الطعن في سياق الجدل الذي رافق واقعة الأوراق الانتخابية التي كانت موضوع تحقيق، فيما يؤكد التحالف أن لديه وثائق ومحاضر سيعرضها على القضاء. غير أن صحة هذه المعطيات، وما إذا كانت ستؤثر فعلًا في النتيجة النهائية، تبقى رهينة بتقدير القضاء المختص وحده.

العدالة والتنمية.. من صناديق الاقتراع إلى ساحة المحاكم

في المقابل، اختار حزب العدالة والتنمية، الذي تراجع حضوره في هذه الاستحقاقات، أن يفتح جبهة موازية عبر التوجه إلى القضاء بشأن رؤساء مكاتب التصويت الذين امتنعوا عن تسليم نسخ من محاضر العمليات الانتخابية لممثلي لوائحه.

وقالت الأمانة العامة للحزب إن لديها شكايات مرتبطة بتدبير تسليم المحاضر، معلنة أنها ستتقدم بشكايات مباشرة إلى القضاء ضد رؤساء المكاتب الذين ثبت امتناعهم، كما قررت الدعوة إلى عقد مجلس وطني استثنائي للتداول في نتائج الانتخابات. ولم تكشف قيادة الحزب عن لائحة نهائية بالدوائر التي ستطعن في نتائجها، وهو غموض يترك الباب مفتوحًا أمام تأويلات متعددة حول حجم المعركة القضائية المرتقبة.

رقم يكشف الحقيقة.. كم طعنًا يتحول فعلًا إلى مقعد؟

المقارنة مع انتخابات 2021 تضع الجدل في سياقه الحقيقي، وتكشف أن الطعون ليست مسارًا استثنائيًا في أعقاب الاستحقاقات التشريعية المغربية، بل ممارسة متكررة تتفاوت حدتها من دورة إلى أخرى.

فبعد اقتراع 8 شتنبر 2021، توصلت المحكمة الدستورية بـ62 عريضة طعن، همّت 41 دائرة انتخابية محلية، و3 دوائر انتخابية جهوية، فيما بلغ عدد النواب الذين طالتهم المنازعات 68 نائبًا. ومع ذلك، كان هذا الرقم أقل بكثير من طعون انتخابات 2016، حين بلغ عددها أمام المجلس الدستوري آنذاك 136 طعنًا.

لكن العبرة الحقيقية تكمن في نسبة نجاح هذه الطعون، لا في عددها، إذ لا يعني كِبَر عدد العرائض بالضرورة كِبَر عدد المقاعد التي سيتم إلغاؤها. ففي تجربة 2021، أفضت قرارات المحكمة الدستورية لاحقًا إلى تغييرات أو حالات شغور في عدد محدود من المقاعد فقط، وهو ما يعزز فرضية أن كثيرًا من الطعون تبقى محاولات لا تصل إلى غايتها، وأن السجال القضائي قد يكون أحيانًا أقرب إلى رسالة سياسية موجهة للرأي العام منه إلى مسار قانوني حاسم.

وبين هذا وذاك، تبقى الكلمة الفصل بيد المحكمة الدستورية، التي ستحدد خلال الأسابيع المقبلة أيًّا من هذه الطعون يستند إلى وقائع قابلة للإثبات، وأيًّا منها لن يتجاوز عتبة التصريحات الإعلامية، في انتظار أن تتضح الصورة الكاملة لخريطة المقاعد النهائية.

المقال التالي