آخر الأخبار

مخلفات الزيتون تصبح كهرباء وماء وفحمًا حيويًا.. «ريفكت أفريكا» تختبر نموذجًا جديدًا للطاقة في سيدي المختار

في قرية «الحشية» بمنطقة سيدي المختار، تقف اليوم وحدة تجريبية صغيرة تختصر واحدة من أكثر الأفكار طموحًا في مجال الطاقة الحيوية بأفريقيا: تحويل نوى الزيتون وتفله وأغصانه إلى كهرباء وحرارة ومياه صالحة للشرب وفحم حيوي، عبر تقنية تُعرف بـ«تغويز الكتلة الحيوية».

ويندرج هذا المشروع، المعروف باسم «ريفكت أفريكا» (REFFECT AFRICA)، ضمن مبادرة أوروبية-أفريقية أوسع، تموّلها المفوضية الأوروبية عبر برنامج «آفاق 2020» (Horizon 2020)، بمبلغ يقارب 6.96 مليون يورو، بمشاركة 28 جهة بحثية وجامعية من سبع دول موزّعة بين أفريقيا وأوروبا.

حين تتحول مخلفات المعاصر إلى طاقة

تقوم فكرة المشروع على مبدأ هندسي بسيط في جوهره: تغذية المخلفات العضوية إلى «مغوّز» (Gasifier) يحوّلها حراريًا إلى غاز قابل للاحتراق، يُستعمل بدوره لتوليد الكهرباء أو الحرارة، بينما يتبقّى من العملية فحم حيوي صلب يُستعمل سمادًا طبيعيًا للتربة.

وما يميّز الوحدة المغربية تحديدًا هو ربطها بثلاثة قطاعات حيوية دفعة واحدة؛ إذ صُمّم المشروع بحيث «يُغلق الحلقة» بين الطاقة والمياه والغذاء، عبر توظيف مخرجات المغوّز لإنتاج مياه صالحة للشرب، إلى جانب الكهرباء والفحم الحيوي، في نموذج يُعرف بمقاربة «الطاقة-الماء-الغذاء».

ووفق بيانات المشروع، رُكّبت الوحدة التجريبية داخل معصرة زيتون تُدعى «دار الزيتون»، لتعمل على نمط «مرتبط بالشبكة»، إذ تُغذّي المنشأة الصناعية مباشرة، بدلًا من العمل بمعزل عنها.

نوى الزيتون تدخل معادلة الطاقة

يكمن أحد أبرز عناصر القوة في هذا النموذج في اعتماده الكامل على مخلفات متوفرة محليًا، من دون كلفة استيراد؛ إذ تعتمد الوحدة المغربية على نوى الزيتون وتفله وأغصان الأشجار المشذّبة، وهي مواد تتوفر بكثافة في منطقة تُعدّ من أبرز أحواض إنتاج زيت الزيتون بالمغرب.

وبحسب البيانات المتاحة، تنتج الوحدة نحو 120 كيلوواط من الطاقة الحرارية، إلى جانب ما بين 110 و120 طنًا من الفحم الحيوي سنويًا، يُعاد توزيعه على الفلاحين المحليين بوصفه سمادًا طبيعيًا، في حلقة اقتصاد دائري تنتهي بالعودة إلى الأرض التي أنتجت المادة الخام أصلًا.

وتشير الجهات المشرفة على المشروع إلى أن هذا الاستبدال الكامل للوقود الأحفوري بمصدر محلي متجدد يسهم في تقليص البصمة الكربونية للمعصرة، فضلًا عن تفادي مشكلة تكدّس مخلفات الزيتون التي تشكّل عبئًا بيئيًا تقليديًا في مناطق إنتاج الزيت.

تجربة مغربية ضمن اختبار أفريقي واسع

لا يقتصر «ريفكت أفريكا» على المغرب وحده؛ فالمشروع يشمل أيضًا منشأتين تجريبيتين مماثلتين في غانا وجنوب أفريقيا، صُمّمت كل منهما لتلائم سياقًا مختلفًا: تطبيق حضري متصل بالشبكة في ديربان بجنوب أفريقيا، وتطبيق ريفي غير متصل بالشبكة في مدرسة بمنطقة ساولا-تونا-كالبا الغانية، إلى جانب التطبيق الصناعي المرتبط بالشبكة في المغرب.

ويهدف هذا التنويع الجغرافي إلى اختبار مدى قابلية التقنية للتكيّف مع بيئات مختلفة، من الحضرية إلى الريفية، ومن الأنظمة المتصلة بالشبكة الكهربائية إلى الأنظمة المستقلة عنها، بما يمهّد لاحقًا لتوسيع النموذج في مناطق أفريقية أخرى تعاني ندرة الكهرباء وتراكم المخلفات الزراعية في آنٍ واحد.

ويكتسب هذا التوجّه أهمية إضافية في ظل ما رصدته تقارير قطاعية دولية من إدراج المغرب، إلى جانب مصر وجنوب أفريقيا، ضمن أبرز المواقع المحتملة لاستقطاب مشروعات جديدة في سوق توليد الكهرباء من الكتلة الحيوية، الذي يتّجه عالميًا نحو تجاوز قيمته حاجز 171 مليار دولار بحلول 2031.

هل تصبح مخلفات الزيتون وقود المستقبل؟

تبقى وحدة سيدي المختار، رغم صغر حجمها الحالي، نموذجًا مصغّرًا لما يمكن أن يصبح عليه مستقبل الطاقة في المناطق الريفية الأفريقية؛ حيث يتحوّل العبء البيئي إلى مورد اقتصادي، والمخلفات الزراعية إلى مصدر للطاقة يخدم الصناعة والمزارع في آنٍ واحد.

وبينما تتوسّع الاستثمارات العالمية في هذا القطاع، يبدو أن المغرب يمتلك اليوم بذرة تجربة قابلة للتكرار، إن توفّرت لها حوافز التمويل والدعم اللازمة لنقلها من طور «المشروع التجريبي» إلى مشروعات صناعية أوسع نطاقًا عبر مناطق إنتاج الزيتون الأخرى في البلاد.

المصدر: مشروع REFFECT AFRICA، المفوضية الأوروبية

المقال التالي