آخر الأخبار

رحيل حميد برادة.. حين يتحول «المحكوم بالإعدام» إلى محاور الملك الذي أصدر الحكم

تطرح وفاة الصحفي حميد برادة، ليلة الجمعة إلى السبت، عن عمر ناهز 87 عاماً، سؤالاً أعمق من مجرد استعادة سيرة مهنية حافلة: كيف يتحول معارض سياسي صدر في حقه حكم غيابي بالإعدام إلى الصحفي المغربي الوحيد الذي حظي بحوار مع الملك الذي وقّع ذلك الحكم؟ فبرادة، الذي بدأ مساره رئيساً للاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1962 قبل أن يدخل في صدام مباشر مع السلطة، هو نفسه الذي جلس سنة 1985 أمام الحسن الثاني في حوار وصفته مجلة «جون أفريك» بالاستثنائي، وظل حتى اليوم التجربة الوحيدة من نوعها في تاريخ الصحافة المغربية.

وتكمن المفارقة الأولى في المسافة الزمنية والرمزية التي قطعها الرجل: من حكم غيابي بالإعدام سنة 1963، في الفترة نفسها التي صدر فيها الحكم على المهدي بن بركة، إلى منفى فرنسي طويل أعاد فيه بناء نفسه بعيداً عن السياسة، ليعود عبر بوابة الصحافة، لا عبر بوابة العفو أو المصالحة السياسية المعلنة. وهذا التحول يفتح نقاشاً لم يُحسم بعد داخل الأوساط الإعلامية المغربية: هل كان برادة، بوصفه صحفياً في منفاه الفرنسي، قد تحرر فعلاً من إرثه السياسي، أم أن قربه اللاحق من مؤسسة الحكم في المغرب ظل محكوماً بحسابات أعقد من الصدفة المهنية؟

ويزداد هذا السؤال إلحاحاً حين يُقارن حواره الواقعي سنة 1985 بحواره التخيلي سنة 2009، الذي لعب فيه دور المحاور والمحاوَر في آن واحد، متقمصاً صوت الحسن الثاني ليجيب عن أسئلة افتراضية حول المغرب بعد رحيله. فالبعض رأى في هذه التجربة ذروة الجرأة الصحفية والقدرة على استحضار شخصية سياسية معقدة من الداخل، بينما اعتبرها آخرون تمريناً إشكالياً يعيد إنتاج خطاب السلطة بصوت من كان يُفترض أنه أحد ضحاياها في مرحلة سابقة.

ولا يقل الجدل حدة حين يتعلق الأمر بمساره داخل المغرب بعد العودة من المنفى سنة 1978. فبرادة اختار، بحسب السردية الرسمية لمساره، الابتعاد الكامل عن النشاط السياسي والتفرغ للصحافة، أولاً عبر «جون أفريك»، ثم عبر منصبه مديراً لقطب المغرب العربي والشرق الأوسط في قناة «تي في 5»، قبل أن يستقر في المشهد التلفزيوني المغربي ببرنامجه «Mais Encore» على القناة الثانية بين سنتي 2007 و2018. غير أن هذا «الحياد» المهني الذي حرص على إظهاره لم يمنع من طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة التي جمعته لاحقاً بمؤسسات الدولة، خصوصاً بعد مشاركته شاهداً في جلسات مغلقة لهيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، وهي الهيئة التي كان من المفترض أن تُنصف ضحايا المرحلة نفسها التي طالته شخصياً.

ويبقى إرثه الصحفي، المتجسد في كتابه الصادر سنة 2025 بعنوان «Hamid Barrada: Anthologie d’entretiens» عن منشورات «Les Presses du réel» في 744 صفحة، والذي جمع 45 حواراً نشرها بين 1977 و2012، شاهداً على مسار مهني استثنائي بكل المقاييس. لكن السؤال الذي يظل مفتوحاً بعد رحيله هو: هل يُقاس إرث حميد برادة بعدد الشخصيات التي حاورها وحجم الأرشيف الذي تركه، أم بموقعه الملتبس بين صحفي مستقل ورجل حظي بامتياز نادر لم يُتح لغيره من جيله؟

المقال التالي