من يحاسب وسيط “شينغن”؟ شكاوى متكررة وأموال نقدية وملفات يلفها الغموض

تبدو معضلة التأشيرة الأوروبية «شينغن» أعمق من مجرد إجراءات إدارية معقدة، فهي، في جوهرها، قصة استنزاف ممنهج لجيوب المغاربة تحت غطاء شركة وسيطة تتحكم في مصير آلاف الملفات دون أي رقابة فعلية تُذكر، وسط صمت مطبق من المؤسسات المعنية بالعلاقات الدولية.
وتكشف الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، في بلاغها رقم 08/26، عن واقع يصعب تصديقه: شركة تفرض التعامل النقدي حصرا، وترفض الشيك والبطاقة البنكية والتطبيقات الإلكترونية، في زمن أصبح فيه الأداء الرقمي قاعدة لا استثناء. ويأتي هذا التحذير، اليوم الجمعة، ليعيد فتح ملف ظل عالقا لسنوات دون حسم حقيقي، بينما تتوالى شكاوى المستهلكين دون أي أفق للتغيير.
نقدا فقط… فإلى أين تذهب أموال الطلبات المرفوضة؟
والأخطر من ذلك أن الشركة الوسيطة تصر على قبض هذه الأموال نقدا، دون أن توضح مصيرها في حال رفض الطلب، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا: أين تذهب ملايين الدراهم المحصلة من الطلبات المرفوضة؟ ومن يراجع حسابات جهة تتحكم في طلبات تأشيرات المغاربة على التراب المغربي نفسه؟
خوارزميات مجهولة تقرر مصير الملفات دون رقيب
وتزداد الصورة قتامة حين تكشف الجامعة عن اعتماد «خوارزميات مجهولة» في دراسة الملفات، بمعايير لا يعرفها أحد ولا يمكن الطعن فيها، لتتحول عملية دراسة طلب التأشيرة إلى صندوق أسود يقرر مصير حياة الناس بمعايير غامضة تماما.
توقيع «طوعي» يُجبر المترشح على إدانة نفسه مسبقا
والأغرب أن الشركة تُلزم المترشح بالتوقيع المسبق على إقرار يعترف فيه بعدم اكتمال ملفه، قبل أن تدرسه أصلا، ثم ترفض الطلب بناء على هذا «الاعتراف» الذي انتُزع منه مسبقا، في تناقض صارخ يشبه إجبار شخص على توقيع حكم ضده قبل محاكمته.
وتصف الجامعة المغربية لحقوق المستهلك هذه الممارسة بـ«الافتراء على المترشح» و«الشرط التعسفي»، وهي أوصاف لا تخلو من قسوة، لكنها تعكس حجم الغضب المتراكم لدى مستهلكين يجدون أنفسهم عالقين بين إجراءات معقدة وشركة لا تخضع لأي محاسبة.
من يحاسب الوسيط؟ ملف متكرر منذ 2022 دون رادع
والمفارقة أن هذا الملف ليس جديدا، فالجامعة سبق أن نبهت إلى إشكالات مشابهة بتاريخ 18 سبتمبر 2022، حين طالبت السفيرة السابقة للجمهورية الفرنسية باسترجاع تكاليف التأشيرات المرفوضة لدى مركز «TLS»، ما يعني، بحسب مضمون البلاغ، أن المشكلة مستمرة منذ سنوات دون أي تدخل حكومي حاسم.
وتجدد الجامعة المغربية لحقوق المستهلك مطالبتها للمؤسسات الحكومية المسؤولة عن العلاقات الدولية بالتدخل العاجل لرفع هذا الحيف، في وقت تبقى فيه ملفات آلاف طالبي التأشيرة رهينة نظام يفتقر، بحسب البلاغ، إلى أبسط قواعد الشفافية والمحاسبة.
ويبقى السؤال الأهم معلقا بلا جواب رسمي حتى الآن: هل ستتحرك الجهات الحكومية المعنية لفرض رقابة فعلية على الشركة الوسيطة، أم أن ملف «شينغن» سيظل، كما كان منذ سنوات، عالقا بين شكاوى متكررة ووعود بلا أثر؟

تعليقات