آخر الأخبار

أصغرهم في الـ23.. من حملات الانتخابات إلى قبة البرلمان: نواب بلا تجربة أمام امتحان التشريع

فتحت انتخابات 23 شتنبر 2026 أبواب مجلس النواب أمام موجة غير مسبوقة من الوجوه الشابة، بعضها لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، في مشهد قد يبدو للوهلة الأولى عنواناً لتجديد النخبة السياسية. لكن خلف الاحتفاء بصورة «الشباب» يبرز سؤال أكثر إزعاجاً: هل يكفي أن يكون النائب شاباً حتى يكون قادراً على ممارسة التشريع ومراقبة الحكومة؟

فالانتخابات تمنح الشرعية التمثيلية، لكنها لا تمنح تلقائياً الخبرة السياسية أو الكفاءة التشريعية. وبين لحظة إعلان النتائج ولحظة الجلوس داخل اللجان البرلمانية، يتغير كل شيء؛ فالهتاف الانتخابي ينتهي، والمنشورات الدعائية تختفي، وتبدأ مواجهة مختلفة مع نصوص قانونية ومساطر تشريعية وملفات حكومية معقدة.

أصغر نائب في البرلمان.. عندما يصبح العمر عنواناً للإنجاز

يتصدّر هذه الموجة عاطف التجاني، الفائز بمقعد ورزازات عن حزب الاستقلال، في سن 23 سنة فقط، ليصبح أصغر نائب أفرزته الانتخابات الحالية. وإلى جانبه، هشام موجود عن التجمع الوطني للأحرار بتنغير، وأيمن بيازيد (25 سنة) عن التقدم والاشتراكية بالجديدة، ودعاء أحيدار (24 سنة) عن اللائحة الجهوية النسائية بطنجة تطوان الحسيمة، ومريم بايا (26 سنة) عن درعة تافيلالت.

هذه الأسماء تضع البرلمان أمام ظاهرة تستحق النقاش: هل نحن أمام جيل سياسي جديد فعلاً، أم أمام جيل انتخابي جديد فقط؟

فالفارق كبير بين أن يكون الشخص شاباً وأن يكون صاحب مشروع سياسي جديد. كما أن صغر السن لا يمثل في حد ذاته دليلاً على ضعف الكفاءة، مثلما أن التقدم في العمر لا يمثل دليلاً تلقائياً على الخبرة. الامتحان الحقيقي يبدأ عندما تُفتح ملفات التشريع والمراقبة، لا عندما تُفتح صناديق الاقتراع.

تجديد النخب أم إعادة إنتاجها بوجوه أصغر؟

هنا تصبح المسألة أكثر حساسية. فصورة «الشاب الجديد» تبدو جذابة انتخابياً، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال مصدر القوة السياسية التي أوصلت صاحبها إلى البرلمان.

هل بنى هؤلاء الشباب مساراتهم السياسية من الصفر؟ هل خاضوا نقاشات عمومية طويلة؟ هل راكموا تجربة في العمل المؤسساتي؟ أم أن بعضهم استفاد، بدرجات مختلفة، من أسماء عائلية أو شبكات حزبية أو نفوذ انتخابي سبق أن صنعته أجيال أخرى؟

لا يتعلق الأمر هنا باتهام أشخاص بعينهم، وإنما بسؤال مشروع حول طبيعة تجديد النخب. فإذا كان بعض الشباب يدخلون البرلمان محملين برصيد سياسي عائلي أو حزبي جاهز، فهل يمكن وصف ذلك بأنه قطيعة مع النخب القديمة، أم أنه مجرد إعادة تقديم لها بوجوه أكثر شباباً؟

والسؤال الأكثر استفزازاً ربما هو: هل تغيرت النخبة فعلاً، أم تغير عمرها فقط؟

معايير الترشيح.. هل يكفي «الوجه الجديد»؟

حين تمنح الأحزاب التزكية لشخص في العشرينات، يصبح من المشروع مساءلة المعايير التي حكمت الاختيار: هل كانت الكفاءة السياسية والتشريعية في المقدمة، أم أن الحسابات الانتخابية وحضور «الوجه الجديد» لعبت دوراً أساسياً؟

فالانتخابات الحديثة لا تقوم فقط على البرامج، بل أصبحت الصورة جزءاً من المنافسة. والشاب النشط رقمياً، صاحب الحضور على منصات التواصل الاجتماعي، قد يتحول إلى ورقة انتخابية جذابة بالنسبة إلى حزب يبحث عن تجديد صورته.

لكن هنا تظهر مفارقة تستحق التوقف: هل يمكن أن تتحول القدرة على جمع المتابعين إلى معيار غير معلن لجمع الأصوات؟

وإذا كان الأمر كذلك، فإن النجاح في الحملة لا يعني بالضرورة النجاح داخل المؤسسة. فالناخب قد ينجذب إلى خطاب سريع ومباشر، بينما يحتاج العمل التشريعي إلى قراءة دقيقة للنصوص، وفهم للمساطر، وقدرة على النقاش والتعديل والترافع.

من «الترند» إلى قبة البرلمان.. هل تصنع الشهرة نائباً؟

وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في حالة عبد العزيز باريك، الملقب بـ«أسامة بريك»، الفائز بمقعد ميدلت عن حزب الوحدة والديمقراطية في سن 28 سنة.

فباريك يُعرف أساساً بحضوره الواسع على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يفتح النقاش حول المسافة الفاصلة بين صناعة المحتوى وصناعة القرار التشريعي.

فالقدرة على مخاطبة آلاف المتابعين لا تعني تلقائياً القدرة على تفكيك مشروع قانون، أو مساءلة وزير، أو مناقشة مادة قانونية داخل لجنة، أو صياغة تعديل تشريعي متماسك.

وهنا يمكن أن يكون السؤال الأكثر إحراجاً: هل يستطيع صاحب «الترند» أن يتحول إلى صاحب موقف تشريعي؟

الجواب لن تقدمه الحملات الانتخابية ولا أرقام المشاهدات، وإنما ستقدمه المداخلات البرلمانية والمقترحات والمواقف داخل المؤسسة.

وجوه جديدة بلا سيرة برلمانية.. من يمنحهم شهادة الكفاءة؟

وينسحب التساؤل ذاته، وإن بدرجات متفاوتة، على وجوه أخرى دخلت البرلمان عبر بوابة الدوائر المحلية أو اللوائح الجهوية، مثل صلاح الدين عياش (36 سنة) عن العدالة والتنمية بمراكش، وأنس الحدادي عن التجمع الوطني للأحرار، وإبراهيم النعناعي عن الاتحاد الدستوري بالدار البيضاء، والدكتورة كنزة الزاهر عن الاتحاد الاشتراكي بفاس مكناس، وآمال إيدوق عن حزب الإنصاف بجهة الدار البيضاء سطات.

فهؤلاء جميعاً يخوضون تجربتهم البرلمانية الأولى، دون أن تكون لدى الرأي العام معطيات كافية تسمح بالحكم مسبقاً على مدى استعدادهم لتحمّل هذه المسؤولية.

لكن غياب التجربة البرلمانية لا يعني بالضرورة غياب الكفاءة؛ كما أن امتلاك تجربة سابقة لا يضمن تلقائياً النجاح. ما سيصنع الفارق هو ما سيقدمه هؤلاء داخل المؤسسة.

وهنا تحديداً ستسقط الكثير من الأقنعة التي صنعتها الحملات الانتخابية: فداخل البرلمان، لا يكفي أن تكون معروفاً، ولا أن تكون شاباً، ولا أن تكون صاحب اسم عائلي بارز. المطلوب هو أن تعرف ماذا تقول، ومتى تقوله، وكيف تحوله إلى موقف أو مقترح أو رقابة فعلية.

من صندوق الاقتراع إلى قاعة اللجان.. هنا يبدأ الامتحان الحقيقي

والحاصل أن الفوز بالمقعد ليس سوى الخطوة الأولى في مسار أطول وأشق بكثير من المنافسة الانتخابية نفسها. فالانتقال من أجواء الحملات والمهرجانات الخطابية إلى مسؤوليات التشريع ومراقبة العمل الحكومي والترافع عن قضايا المواطنين يفرض على هؤلاء النواب الجدد امتحاناً لا يمكن تزوير نتائجه طويلاً.

فالناخب الذي منح صوته لنائب شاب لن يظل معنياً بعمره إلى الأبد. سيبدأ في مراقبة مواقفه، وحضوره، وأسئلته، ومقترحاته، وقدرته على الدفاع عن القضايا التي انتُخب من أجلها.

وفي هذه النقطة تحديداً، سيظهر الفرق بين شاب دخل البرلمان لأنه شاب، وشاب دخل البرلمان ثم أثبت أنه يستحق أن يكون فيه.

أما إذا انتهت التجربة إلى مجرد أسماء جديدة تحمل شبكات النفوذ نفسها، وخطاباً انتخابياً جديداً، ووجوهاً أصغر من تلك التي سبقتها، فسيعود السؤال من جديد وبصيغة أكثر قسوة: هل جرى فعلاً تجديد النخبة السياسية، أم جرى فقط تجديد صورتها؟

المقال التالي