آخر الأخبار

من إعلان الصدارة إلى المركز الرابع.. ماذا حدث لـ “البيجيدي” في ليلة انتخابات 2026؟

في مقر حزب العدالة والتنمية بحي الليمون، كانت الأرقام تقول شيئا، والوجوه تقول شيئا آخر. حزب انتقل من 13 مقعدا إلى 54، أي أكثر من أربعة أضعاف حصته، خرج قادته مطأطئي الرؤوس، فيما احتفل حزب الاستقلال، غير بعيد عنه، رغم فقدانه 16 مقعدا. مفارقة تختصر ليلة انتخابات 23 سبتمبر 2026، وتطرح سؤالا يتجاوز الحسابات: ما معنى النصر حين تصنعه الانتظارات لا الصناديق؟

صدارة على الورق.. وانتظار لنتيجة لم تأتِ

لم تبدأ الحكاية بالهزيمة، بل بوعد بالنصر. فمع إغلاق مكاتب التصويت عند السابعة مساء وبدء الفرز، تقاطرت الأرقام الأولية على المقر المركزي، وتحدثت الأنباء عن تصدر الحزب في فاس وسلا وطنجة، وبدأ كثير من أعضائه يرون أمينهم العام وقد اعتلى من جديد كرسيه بالمشور السعيد.

ثم جاء التصريح الأول على لسان القيادي عبد العلي حامي الدين، الذي أعلن، بعد ساعتين من الفرز، تصدر «البيجيدي» حسب النتائج الأولية، مستشهدا بمكتب في تمارة حصل فيه «المصباح» على 139 صوتا مقابل 19 للحزب الوصيف. وبعد ساعة واحدة، خرج «القائد بنكيران» في مقطع مباشر ليؤكد أن حزبه حسم الصدارة، تقريبا، في معظم الدوائر.

وتواصل المسلسل بعد خمس ساعات على إغلاق المكاتب، حين ظهر إدريس الأزمي ليؤكد استمرار التصدر بفارق كبير، قبل أن يبلغ التفاؤل أوجه بخروج بنكيران مجددا رفقة قيادات الحزب، متحدثا عن حلول الحزب في الصدارة «بصدق ودون مزايدة»، في انتظار تأكيد وزير الداخلية فقط. فهل كان ذلك قراءة هادئة للأرقام، أم تعبئة للقواعد بنصر لم يعلنه أحد رسميا؟

ثماني ساعات بين الهتاف والصمت.. أين كانت النتيجة؟

وسط هذه الأجواء المشحونة، كانت الهتافات تعلو داخل المقر وعلى بابه، والشعارات ترسم ملامح «البرنامج الحكومي المرتقب»، وعلى رأسه محاربة الفساد ونصرة القضية الفلسطينية. لكن الاحتفال السابق لأوانه اصطدم بصمت ثقيل، فقد مرت 8 ساعات دون أن يطل وزير الداخلية بالنتائج، بينما لم تتوقف شكايات قيادة الحزب من رفض تسليم المحاضر في عدة دوائر.

وحين يتأخر الإعلان الرسمي وتتأخر المحاضر، يصبح السؤال مشروعا: أي رصيد من المعلومات استند إليه من أعلنوا الحسم؟ وإن كانوا يملكون أرقاما ناقصة فقط، فلماذا سبقوا بها الوزارة، وهم يعلمون أن المحاضر لم تصلهم في كل الدوائر؟

لحظة الحسم.. ثلاث صدمات أسقطت حلم الصدارة

عند الثالثة والنصف تقريبا، ظهر وزير الداخلية أخيرا على الشاشة، فتحلق كل من في المقر حولها، وقد شخصت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر. كان عدد من القيادات، وفي مقدمتهم الأمين العام، قد غادروا المقر قبل تلك اللحظة، وبقيت مجموعة يتقدمها نائبه الذي تأكد فوزه بمقعد الصخيرات-تمارة.

وما إن بدأ الوزير إعلان النتائج شبه النهائية، حتى كان الجميع ينتظرون اسم حزب «العدا…» أولا. لكن الاسم الأول كان «الأصالة والمعاصرة». وظن الحاضرون للحظة أن حزبهم حل ثانيا، في نتيجة بدت مفهومة لدى كثيرين بالنظر إلى ما «رُصد من دعم لحزب لقجع»، قبل أن تأتي الصدمة الثانية بإعلان التجمع الوطني للأحرار ثانيا، ثم الثالثة بحلول الاستقلال ثالثا، وحل «العدالة والتنمية» رابعا بـ54 مقعدا.

حين صار الرقم الكبير أقل من انتظارات أصحابه

«المصائب لا تأتي فرادى»، كما يقول المثل، لكن المشهد الذي تلا الإعلان لم يكن مجرد مصيبة انتخابية. احتل الصمت المكان، وخيم الحزن على وجوه من كانوا يهتفون قبل ساعات «الشعب يريد بنكيران من جديد»، وانصرف الجميع، وكان المشهد الأبرز خروج إدريس الأزمي مطأطئ الرأس، والحزن باديا على تقاسيم وجهه، ورفضه التعليق على النتائج.

والمفارقة أن الحزب الذي بدا مهزوما هو الذي حقق أفضل نتيجة بين باقي الأحزاب، بالنظر إلى المقاعد الجديدة التي حصل عليها، بينما كان جاره الاستقلالي يحتفل بـ«النصر» بعد أن فقد 16 مقعدا. فالحسابات الانتخابية لا تقاس في السياسة بالمقاعد وحدها، بل بالمسافة بين ما وُعد به الناس وما تحقق فعلا.

من رفع سقف الصدارة إلى مواجهة سؤال الحساب

كان المشهد داخل مقر «البيجيدي» بعد إعلان النتائج «جنائزيا»، ليس لأن الحزب أخفق أو حقق نتائج سيئة، بل لأن قيادته وقواعده رفعوا سقف التوقعات عاليا، فكان ألم «السقطة» قويا، وغطى على «لذة» نصر لم يعد له طعم.

وهنا يكمن الدرس الأقسى لهذه الليلة: حين يسبق الخطاب الأرقام، تتحول النتيجة الجيدة إلى خيبة، ويجد الحزب نفسه أمام سؤال لا يملك تجاهله: من يحاسب من أعلن الحسم قبل أن يحسمه الصندوق؟

وسيبقى الرقم 54 شاهدا على مفارقة سياسية نادرة: حزب عاد إلى الواجهة البرلمانية بقوة، لكنه قضى ليلته الانتخابية يواجه صورة رسمها لنفسه قبل أن يرسمها الصندوق. فبين حزب رفع مقاعده من 13 إلى 54 ولم يجد ما يحتفل به، وآخر فقد 16 مقعدا وأقام احتفاله، تتأكد قاعدة يعرفها كل متابع للشأن الانتخابي: الأرقام وحدها لا تصنع الفرح ولا الخيبة، فالسياسة، قبل أن تكون حساب مقاعد، هي حساب توقعات.

المقال التالي