آخر الأخبار

مغاربة يُرحّلون قسرًا من أمريكا إلى إفريقيا.. تحقيق دولي يكشف تفاصيل «الترحيل إلى دول ثالثة»

لم يكونوا يعرفون الكاميرون، ولم تسبق لأغلبهم زيارة كوستاريكا، لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة على متن رحلات جوية تقلّهم نحو بلدان لا تربطهم بها أي صلة، لا باللغة، ولا بالجنسية، ولا حتى بذكرى عابرة. هذا ما يكشفه تحقيق صحفي دولي واسع، أماط اللثام عن مسار غير معلن اتّبعته الولايات المتحدة لترحيل مهاجرين، من بينهم مغاربة، إلى دول ثالثة بعيدة عن أوطانهم الأصلية.

وتفيد المعطيات التي نسّقتها منظمة «فوربيدن ستوريز»، بمشاركة 72 صحفيًا من 23 مؤسسة إعلامية، بأن هذا النمط من الترحيل لم يكن استثناءً عابرًا، بل جزءًا من سياسة ممنهجة تبنّتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، طالت ما لا يقل عن 25.447 أجنبيًا رُحّلوا من الولايات المتحدة نحو دول لا يحملون جنسيتها، وذلك بين عودة ترامب إلى البيت الأبيض وشهر غشت 2026.

رحلة بلا وجهة مألوفة.. مغاربة يصلون إلى الكاميرون

في 15 يناير 2026، نُقل تسعة أشخاص من جنسيات مختلفة، من بينهم مغاربة، إلى جانب مواطنين من أنغولا وغانا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزيمبابوي، على متن رحلة واحدة نحو الكاميرون. واللافت أن معظم هؤلاء كانوا يتمتعون، وهم على الأراضي الأمريكية، بوضعية حماية قانونية تمنع إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، وهو ما لم يحُل دون ترحيلهم نحو بلد ثالث لا صلة لهم به.

وتندرج هذه الرحلة ضمن اتفاق أبرمته واشنطن مع الكاميرون، التي وافقت على استقبال ما يصل إلى ألف مرحَّل، مقابل تمويل قدره 30 مليون دولار موجّه إلى منظمات معنية بالملف. وحتى شهر يونيو 2026، كان قد وصل إليها 36 شخصًا فقط من هذا العدد.

بعد الكاميرون.. كوستاريكا تدخل على خط الترحيلات

ولم تكن الكاميرون الوجهة الوحيدة التي حملت اسم المغرب في ملفات الترحيل. فقد ظهرت أسماء مغربية أيضًا ضمن عمليات ترحيل أخرى نحو كوستاريكا، التي استقبلت بدورها أكثر من 200 شخص مرحَّل من الولايات المتحدة، بحسب البيانات التي أوردها التحقيق، دون أن تربط أغلبهم بهذا البلد أي صلة عائلية أو قانونية أو شخصية سابقة.

اتفاقيات عبر القارات.. والمرحَّلون خارج أوطانهم

ولم تقتصر هذه السياسة على بلد أو قارة بعينها، إذ رصد ما أُطلق عليه «مشروع الترحيل» شبكة متنامية من الاتفاقيات، تشمل دولًا في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى، حيث تُرسل واشنطن مهاجرين لا يمكن، أو لا ترغب، في إعادتهم مباشرة إلى بلدانهم الأصلية.

وقد أبرمت الإدارة الأمريكية اتفاقيات من هذا النوع مع ما لا يقل عن 35 دولة، استقبلت 28 منها بالفعل مرحَّلين، في مقابل تمويل تجاوز 410 ملايين دولار، خُصص منها 81 مليون دولار بشكل مباشر للحكومات الموقّعة، فيما وُجّهت مبالغ أخرى إلى المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أكثر من 100 رحلة.. خريطة جوية تكشف حجم العمليات

واعتمد فريق التحقيق على تتبّع دقيق لأكثر من 100 رحلة جوية نقلت مهاجرين وطالبي لجوء إلى 28 دولة مختلفة، مع تأكيد الصحفيين أن العدد الفعلي قد يكون أكبر بكثير، نظرًا إلى أن قاعدة البيانات اقتصرت فقط على الرحلات التي أمكن التحقق منها بشكل مستقل.

وتصف «فوربيدن ستوريز» هذا النظام بأنه يعمل، إلى حد كبير، بمنأى عن الأضواء، فيما تكشف الوثائق التي حصل عليها الصحفيون عن شبكة معقّدة من الترتيبات الإدارية والدبلوماسية والمالية التي جعلت هذه العمليات ممكنة، تاركة مصير عشرات المغاربة معلّقًا في بلدان لم يخطر ببالهم يومًا أن تكون محطتهم الأخيرة.

مغاربة في قلب أسئلة بلا أجوبة

وبينما تتوالى تفاصيل هذا الملف عبر وثائق ومعطيات ميدانية دقيقة، يبقى مصير المغاربة المشمولين بهذه العمليات محاطًا بغموض كبير، في ظل غياب أي تفاعل رسمي معلن بشأن أعدادهم أو ظروف ترحيلهم أو الجهات التي تتابع وضعيتهم القانونية في بلدان لم يسبق لهم الإقامة فيها.

ويظل السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت القنوات الدبلوماسية قد أُخطرت بهذه العمليات قبل تنفيذها، أم أن هؤلاء المواطنين وجدوا أنفسهم، كغيرهم من جنسيات أخرى، ضمن عمليات ترحيل إلى دول ثالثة، في إطار ترتيبات إدارية ودبلوماسية لا تتضح تفاصيلها كاملة في الحالات الفردية.

المقال التالي