بالارقام: من 107 إلى 175 مليار درهم.. كيف يضغط اضطراب هرمز على فاتورة الطاقة المغربية؟

صبيحة اليوم الأربعاء، وبينما تتصدّر عناوين المدن النفطية الكبرى نقاشات مضيق هرمز، يجد المغرب نفسه، رغم غيابه التام عن ساحة الصراع الإيراني-الأميركي، طرفًا غير مباشر يدفع الفاتورة من جيبه. فالمملكة، التي لا تملك احتياطيات نفط أو غاز تُذكر، تستورد الجزء الأكبر من حاجتها الطاقية، ما يجعلها رهينة لكل ارتفاع يشهده سعر برميل برنت في أي بقعة من العالم.
وتكشف بيانات مكتب الصرف عن حجم الهشاشة الطاقية المغربية بالأرقام الصريحة؛ إذ بلغت واردات المغرب من السلع نحو 544 مليار درهم حتى نهاية يوليوز 2026، مقابل صادرات لم تتجاوز 299.3 مليار درهم، ما رفع العجز التجاري إلى قرابة 245 مليار درهم، بزيادة بلغت 26.5% على أساس سنوي.
فاتورة الطاقة.. من 107 إلى 175 مليار درهم في سيناريو واحد
سجّلت فاتورة الطاقة المغربية خلال سنة 2025 كاملة نحو 107.6 مليار درهم، أي ما يعادل 7.6 مليار دولار. غير أن استمرار توتر مضيق هرمز، وبقاء أسعار خام برنت في نطاق يتراوح بين 120 و130 دولارًا للبرميل خلال الأشهر المتبقية من 2026، قد يدفع بالفاتورة السنوية إلى مستوى يتراوح بين 165 و175 مليار درهم، بحسب محاكاة اقتصادية تستند إلى مستويات الواردات المسجّلة هذا العام.
بلغة الأرقام، يعني ذلك قفزة سنوية إضافية تتراوح بين 57 و67 مليار درهم، أي زيادة تناهز 53% إلى 63% مقارنة بفاتورة العام الماضي وحده. وقد سبق لهذه الفاتورة أن سجّلت قفزة مماثلة في 2022، حين ارتفعت من 75 مليار درهم إلى أكثر من 153 مليار درهم، بزيادة تجاوزت 101% في سنة واحدة فقط، وهو ما يُظهر أن الاقتصاد المغربي عاش سابقة مشابهة، ولم يخرج منها إلا بعد تراجع الأسعار عالميًا.
عجز تجاري يقترب من نصف تريليون درهم
لا يتوقف الأثر عند فاتورة الطاقة وحدها، بل يمتد إلى الميزان التجاري ككل. فبحسب التقديرات ذاتها، قد يقترب العجز التجاري للمغرب من نطاق يتراوح بين 465 و480 مليار درهم، أي ما يعادل 32.7 إلى 33.8 مليار دولار، إذا استمر الضغط على أسعار النفط العالمية عند مستوياتها الحالية.
وتزداد حساسية الوضع مع تسجيل خام برنت مستويات تجاوزت 120 دولارًا للبرميل في بعض جلسات سبتمبر، مقارنة بمتوسط لم يتجاوز 83.76 دولارًا في يوليوز الماضي، و91 دولارًا في أغسطس، ما يعني أن التأثير الكامل لهذه القفزة لم ينعكس بعد بشكل تام على بيانات التجارة الخارجية، وأن الفصول الأخيرة من السنة قد تحمل صدمة أكبر.
سؤال محرج: أين الطاقة المتجددة من كل هذا؟
المفارقة اللافتة أن المغرب يُعدّ نموذجًا يُستشهد به دوليًا في التحول نحو الطاقة المتجددة، إذ تجاوزت مساهمتها في توليد الكهرباء 44% حاليًا، في أفق بلوغ 52% بحلول 2030. لكن هذا «النجاح» في قطاع الكهرباء لا يحمي المملكة من صدمات النفط والغاز، لأن الاعتماد يبقى شبه كامل على الاستيراد في قطاعات حيوية أخرى، أبرزها النقل والصناعة التحويلية، وعلى رأسها قطاع الفوسفاط، الذي يعتمد بكثافة على المحروقات في التعدين والشحن.
هنا يُطرح السؤال الجدلي بوضوح: هل يكفي التفوق في الكهرباء الخضراء لحماية اقتصاد بأكمله من تقلبات سياسية تحدث على بُعد آلاف الكيلومترات في مضيق هرمز؟ أم أن غياب مخزون إستراتيجي حقيقي من المحروقات، وبطء تطوير مشاريع الغاز المحلي، مثل حوض تندرارة، يُبقيان المغرب رهينة لكل صراع جيوسياسي لا ناقة له فيه ولا جمل؟
اقتصاد على المحك.. رهان الأشهر المقبلة
تبقى الأشهر المتبقية من 2026 محطة فاصلة لقياس مدى صمود الاقتصاد المغربي أمام هذه الموجة. فإذا ما استمر التوتر في مضيق هرمز دون حل دبلوماسي سريع، فإن فاتورة الطاقة قد تتجاوز عتبة 175 مليار درهم، لتدفع العجز التجاري نحو مستويات غير مسبوقة تقترب من نصف تريليون درهم. أما إذا نجحت المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران في تهدئة الأوضاع، فقد يمنح ذلك المملكة هامش تنفّس مؤقتًا، لكنه لن يُعالج الخلل البنيوي في معادلة الطاقة المغربية، التي تبقى، كما أثبتت أزمة 2022 قبلها، عرضة لأي هزة جيوسياسية بعيدة، ما يجعل تسريع مشاريع الغاز المحلي وتنويع مصادر الإمداد خيارًا إستراتيجيًا لا رفاهية اقتصادية.

تعليقات