آخر الأخبار

«سامير».. عروض بمليارات الدولارات تصطدم بالقضاء وتؤجل عودة التكرير بالمغرب

يحمل ملف مصفاة «سامير» واحدة من أطول قصص التعثر في قطاع التكرير العربي، إذ تعاقبت عليه محاولات الإنقاذ منذ سنوات، من دون أن تصل أي منها إلى خواتيم ناجحة، فيما يبقى السؤال معلّقًا: ما الذي يمنع أكبر مصفاة نفط في المغرب من استعادة أنفاسها؟

من قلب الصناعة إلى التصفية القضائية.. كيف بدأت أزمة «سامير»؟

خرجت مصفاة «سامير» في المحمدية من الخدمة في شهر أغسطس من عام 2015، بعد أزمة مالية خانقة انتهت بوضع الشركة تحت التصفية القضائية. ولم يكن التوقف مجرد حادثة عابرة، بل كان بداية مسار طويل من التعثر، طال معه ملف أصول كانت تُنتج، قبل توقفها، نحو 195 ألف برميل يوميًا، بعد أن انطلقت بطاقة 25 ألف برميل يوميًا فقط عند بدء تشغيلها عام 1961.

وتحوّلت المصفاة، بمجرد دخولها التصفية القضائية، إلى ملف قانوني معقّد، يتداخل فيه الدائنون والمستثمرون المحتملون والقضاء، ما جعل أي محاولة لإعادة التشغيل مرهونة بتوافقات صعبة بين أطراف متعددة المصالح.

عروض بالمليارات.. فلماذا بقيت «سامير» متوقفة؟

لم تُحرم مصفاة «سامير» من الاهتمام، بل على العكس، تقدّم إليها أكثر من مستثمر خلال السنوات الماضية، إلا أن كل هذه المساعي اصطدمت بعقبات مشابهة. وكان أبرز فصول هذه السلسلة رفض المحكمة التجارية في الدار البيضاء، في شهر مارس من عام 2026، عرضًا إماراتيًا بقيمة 3.5 مليار دولار للاستحواذ على أصول الشركة.

ولم يكن الرفض بسبب ضعف قيمة العرض، بل بسبب عدم استيفاء الضمانات المطلوبة، وهو ما يكشف أن جوهر المشكلة لا يتعلق بغياب الشهية الاستثمارية، بقدر ما يتعلق بصعوبة تقديم ضمانات مالية وقانونية تطمئن القضاء والدائنين في آنٍ واحد.

الضمانات في مواجهة المليارات.. أين تتعطل صفقات الإنقاذ؟

يكمن جوهر الأزمة في معادلة صعبة: كل مستثمر يريد أصولًا واضحة الملكية وخالية من الالتزامات المتراكمة، بينما تحمل «سامير» عبء ديون وتعقيدات قانونية تراكمت طوال سنوات التصفية. وهذه الفجوة بين توقعات المستثمرين ومتطلبات المحكمة التجارية هي ما يُفسّر تكرار سيناريو الرفض، مهما تبدّلت الجنسية أو حجم العرض المقدَّم.

ويُضاف إلى ذلك أن طول أمد التوقف نفسه يرفع كلفة إعادة التشغيل، إذ لا تقتصر الصيانة المطلوبة على تحديث المعدات، بل تمتد إلى تقييم شامل لحالة الوحدات بعد سنوات من التعطل، ما يجعل أي مستثمر جديد مطالبًا بضخ استثمارات إضافية لم تكن مطروحة في السنوات الأولى للتوقف.

المغرب يستورد ما كانت «سامير» تنتجه.. إلى متى يستمر الانتظار؟

يترك استمرار تعثر «سامير» المغرب رهينة استيراد المنتجات النفطية المكررة، في وقت تتصاعد فيه أهمية أمن الإمدادات ضمن أولويات السياسة الطاقية للبلاد. وكل عرض جديد يُرفض يعني عمليًا تمديدًا إضافيًا لفاتورة الاستيراد، وتأجيلًا لفرصة استعادة طاقة تكريرية محلية كانت تُغطي جزءًا كبيرًا من الاحتياج الداخلي.

ويبقى ملف «سامير» حاضرًا في كل نقاش حول مستقبل التكرير المغربي، لا لأنه قريب من الحل، بل لأن غيابه المستمر عن دائرة الإنتاج يفرض نفسه كأحد أبرز الأسئلة المفتوحة في قطاع الطاقة بالمغرب.

11 عامًا من التوقف.. هل تملك «سامير» مفتاح الخروج من الحلقة المفرغة؟

تبقى معادلة «سامير» أسيرة حلقة مفرغة: كل عرض جديد يصطدم بشرط الضمانات، وكل تأخير جديد يرفع كلفة العودة إلى الإنتاج، ويُبقي المغرب في موقع المستورد الدائم لمنتجات كان يصنّعها محليًا. وما لم يُبتكر حل يوازن بين متطلبات القضاء وحاجة المستثمرين إلى أصول خالية من الأعباء، فإن هذه المصفاة قد تظل شاهدة على واحدة من أعقد قصص التعثر الصناعي في المنطقة، بانتظار لحظة تُغيّر فيها المعطيات مسار الملف من جديد.

المقال التالي