آخر الأخبار

“إيش إيش” تعيد فتح جرح الصحافة.. هل انتهى زمن الثقة في المجالس والهيئات المهنية؟

في مشهد نادر الحدوث في عالم الإعلام، وحّدت خمس شبكات تلفزيونية أميركية كبرى، متنافسة تجاريًا ومتباينة سياسيًا، موقفها دفاعًا عن مبدأ مهني مشترك، حين أعلنت «إيه بي سي» و«سي بي إس» و«إن بي سي» و«فوكس نيوز» و«سي إن إن» تعليق تغطيتها المشتركة لفعاليات الرئاسة، احتجاجًا على منع إدارة الرئيس دونالد ترامب شبكة «سي إن إن» من أداء دورها المقرر في التناوب على التغطية. وما يستحق التوقف عنده ليس القرار في حد ذاته، بل كونه صادرًا عن مؤسسات إعلامية توصف عادة بالتنافس التحريري والانقسام السياسي، لكنها اختارت أن تتحد حين يتعلق الأمر بمبدأ أكبر من خلافاتها: حق الجمهور في معلومة مستقلة.

مرآة قاسية لجسم صحفي مغربي يعاني ضعف التضامن

هذا المشهد يضع واقع الصحافة المغربية أمام مرآة قاسية. فالجسم الصحفي الوطني، رغم تعدد منابره وتنوع حساسياته، نادرًا ما يجتمع على موقف موحد حين تُمس استقلالية إحدى المؤسسات الإعلامية أو تتعرض لضغط مباشر أو غير مباشر. فبدل التضامن المهني، يغلب على المشهد المغربي منطق التشرذم، إذ تتحول كل واقعة مهنية حساسة إلى قضية معزولة، يُترك أصحابها يواجهون مصيرهم بمفردهم، في غياب شبه تام لمبدأ «الدفاع الجماعي» عن حرية الصحافة كقيمة عليا تسمو على الحسابات التحريرية والتموضعات السياسية لكل منبر.

مجلس بلا ولاية متجددة… وقانون يُعدّ بمعزل عن المهنيين

ويعود هذا التشرذم إلى عوامل بنيوية متشابكة، أبرزها ضعف الهيئات المهنية القادرة على توحيد الصف عند الاقتضاء. فالمجلس الوطني للصحافة نفسه، الذي أُحدث سنة 2016 وكان يُنظر إليه كمحطة بارزة على مستوى المنطقة، دخل منذ انتهاء ولايته سنة 2022 مرحلة من التعثر المؤسساتي، وحلّت محله منذ 2023 لجنة مؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، فيما ظلت مشاريع القوانين المتعاقبة المنظمة للقطاع تُعدّ، بحسب تقارير منظمات حقوقية دولية، دون مشاورات كافية مع الفاعلين فيه، وهو ما غذّى مخاوف متكررة بشأن مدى استقلاليته الفعلية عن السلطة التنفيذية. ويضاف إلى ذلك التبعية الاقتصادية لعدد من المنابر تجاه مصادر تمويل تجعل المجازفة بموقف تضامني مكلفة على المستوى المؤسساتي، فضلًا عن تراكم سنوات من التنافس غير الشريف بين بعض المنابر، وهو ما أفرغ فكرة «الجسم المهني الواحد» من مضمونها العملي، وحوّلها إلى شعار يُستحضر في المناسبات دون أن يترجم إلى مواقف ميدانية فعلية.

أصوات مهنية تشكك في مصداقية المجالس القائمة

وفي قراءة أخرى لمسار القطاع، يرى منتقدون أن الهيئات المتعاقبة على تسيير شؤون الصحافة لم تنجح في تجاوز الاختلالات المتراكمة، بما يعكس الحاجة إلى إعادة ترتيب هذا المشهد من جديد، لا الاكتفاء بإعادة إنتاج هياكله بالصيغة نفسها. وفي هذا السياق، يرى الصحفي المختار الغزيوي أنه «لا يمكن الحديث عن أي مصداقية لأي مجلس بعد فضيحة إيش إيش»، في إشارة إلى الجدل الذي رافق تلك القضية. ومن جهتها، تشير الصحفية حنان رحاب، نائبة رئيس النقابة الوطنية للصحافة المكلفة بالحريات، في تصريحات سابقة، إلى صعوبة التوفيق أحيانًا بين الانتماء الحزبي والحياد المهني، وهي إشكالية تتقاطع مع النقاش الأوسع حول استقلالية الهيئات الصحفية عن أي تأثير سياسي أو حزبي. وبعيدًا عن تقييم الأشخاص أو اختزال أزمة القطاع في مؤسسة واحدة، يظل السؤال الأوسع مرتبطًا بمدى الحاجة إلى مراجعة شاملة لطريقة تدبير المهنة وهيئاتها التمثيلية.

واشنطن تبادر في الحين… والرباط تتأخر أو تصمت

وحين يُقارن هذا الوضع بما جرى في الولايات المتحدة، تتضح المفارقة بشكل أعمق: فالشبكات الأميركية لم تنتظر تدخّلًا نقابيًا أو مؤسساتيًا لتتحد، بل بادرت هي نفسها، كفاعلين مباشرين، إلى اتخاذ قرار جماعي فوري بمجرد أن استشعرت خطرًا على مبدأ مهني مشترك. في المقابل، تبقى ردود الفعل في المغرب، حين تحدث، غالبًا متأخرة أو منقوصة أو مقتصرة على بيانات فردية متفرقة، لا ترقى إلى مستوى موقف جماعي مؤثر يفرض كلفة سياسية أو رمزية على أي جهة تسعى إلى تقييد حرية الصحافة.

قبل المجلس… الأرضية والإرادة السياسية

وقبل الحديث عن المجالس والهيئات، تبرز الحاجة أولًا إلى توفير الأرضية الحقيقية للإصلاح، وامتلاك إرادة سياسية واضحة لفك عقدة القطاع وإنهاء الاختلالات التي تعصف به. أما تشكيل هيئة جديدة فوق الوضع نفسه، فلن يكون سوى إعادة إنتاج للأزمة. لذلك، لا جدوى من الحديث عن أي مجلس ما لم تتوفر أولًا شروط الإصلاح والإرادة السياسية اللازمة له، بما يسمح بإعادة ترتيب المشهد الصحفي على أسس مهنية ومؤسساتية أكثر وضوحًا.

تضامن في الخطاب فقط… فمتى يتحول إلى موقف؟

ويبقى السؤال الجوهري المطروح على المهنة في المغرب هو مدى القدرة على تجاوز منطق التنافس الضيق نحو بناء تضامن مهني حقيقي، لا يُختزل في الخطاب، بل يتحول إلى آلية عملية للدفاع عن أي منبر أو صحفي يتعرض لضغط أو تضييق، بمعزل عن هوية هذا المنبر أو توجهه التحريري.

الكلمات المفتاحية: الصحافة المغربية، الشبكات الأميركية، حرية الصحافة، التضامن المهني، المجلس الوطني للصحافة، حنان رحاب، المختار الغزيوي

المقال التالي