عقوبات وحقوق انتخابية قبل ساعات من التصويت.. ماذا وراء دورية الداخلية المفاجئة؟

على بُعد ساعات معدودة من فتح صناديق الاقتراع، اختارت وزارة الداخلية توقيتاً يثير أكثر من علامة استفهام لتذكير الولاة والعمال بحقوق ممثلي لوائح الترشيح في محاضر العمليات الانتخابية. فالدورية التي وجهها الوزير إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات، لم تصدر قبل أسابيع من موعد الاقتراع المقرر يوم 23 سبتمبر 2026، بل جاءت في اللحظات الأخيرة، وكأن الإدارة الترابية تكتشف فجأة نصوصاً قانونية سارية منذ سنوات.
تذكير بقانون قائم منذ سنوات… فلماذا الآن؟
فالقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب ليس وليد اللحظة، بل نص قائم يكفل لممثلي لوائح الترشيح، بشكل صريح لا لبس فيه، الحق في الحصول على نسخة من محاضر مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء التابعة للعمالات أو الأقاليم أو عمالات المقاطعات، ولجان الإحصاء الجهوية. فلماذا، إذن، تحتاج الوزارة، عشية الاقتراع مباشرة، إلى «تذكير» رجالها بما يُفترض أن يكون من بديهيات عملهم اليومي؟
احتراز روتيني أم اعتراف ضمني بثغرات سابقة؟
الجواب الرسمي يبدو واضحاً في صياغة الدورية ذاتها، التي جاء فيها: «ففي أفق إجراء الاقتراع الخاص بانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر يوم الأربعاء 23 سبتمبر 2026، يشرفني أن أذكركم أن القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب يخول لممثلي لوائح الترشيح الحق في أن يراقبوا بصفة مستمرة عمليات التصويت وفرز الأصوات وإحصائها». لكن هذا «التذكير» بالذات هو ما يفتح الباب أمام قراءة أقل رسمية: هل هي مجرد إجراء احترازي روتيني يسبق كل استحقاق، أم اعتراف ضمني بثغرات تكررت في محطات انتخابية سابقة، دفعت الوزارة إلى «تغطية» نفسها قانونياً قبل ساعة الحسم؟
دقة إجرائية مبالغ فيها تكشف عن قلق حقيقي
فالتوقيت وحده لا يفسر كل شيء، إذ تكشف تفاصيل الدورية عن حرص مبالغ فيه على التفاصيل الإجرائية الدقيقة: ترقيم كل نسخة، وتوقيعها من رؤساء وأعضاء المكاتب واللجان، وتسليمها فوراً مقابل إشهاد، وإعدادها في عدد يعادل بالضبط عدد ممثلي لوائح الترشيح الحاضرين. هذا المستوى من التدقيق، القريب من «الوصفة الطبية»، يوحي بأن الوزارة كانت تستحضر إشكالات ميدانية معينة، أكثر مما كانت تصدر تعميماً روتينياً.
عقوبة مذكورة… فهل تُفعَّل فعلياً؟
ولم تكتفِ الدورية بالتذكير بالحقوق، بل استحضرت أيضاً العصا: المادة 57 من القانون التنظيمي رقم 27.11 تعاقب كل رئيس مكتب تصويت يمتنع عن تسليم نسخة من المحضر لممثل لائحة كان حاضراً، بالحبس من ستة أشهر إلى سنة، وبغرامة تتراوح بين 10.000 و50.000 درهم. استحضار هذه العقوبة تحديداً، في السطر الأخير من دورية «تذكيرية» بحتة، يطرح سؤالاً مشروعاً: هل تستبق الوزارة سيناريوهات امتناع متوقعة في بعض الدوائر، أم أن ذكر العقوبة مجرد إجراء شكلي لا يُترجم عملياً إلى متابعات قضائية حقيقية كما جرت العادة في استحقاقات سابقة؟
هل الدورية غطاء استباقي لموجة طعون آتية؟
وبين سطور المادتين 57 و86، اللتين تمنحان الحق في الاطلاع على المحاضر لثمانية أيام كاملة، سواء للمترشحين العاديين أو للمطعون في انتخابهم، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل هذه الدورية أداة استباقية فعلية لضمان الشفافية، أم مجرد غطاء قانوني تحسباً لموجة طعون تعرف الوزارة سلفاً أنها آتية لا محالة؟
اليوم الثلاثاء، وعلى بُعد يوم واحد فقط من موعد الاقتراع، تبقى الإجابة عن هذه الأسئلة رهينة بما ستكشفه الساعات المقبلة في مكاتب التصويت: فإما أن تُترجَم نصوص الدورية إلى التزام صارم يطمئن الفاعلين السياسيين، أو تتكرر السيناريوهات ذاتها التي جعلت الوزارة تشعر بالحاجة إلى «تذكير» رجالها بقانون كان يجب أن يُطبَّق من تلقاء نفسه.

تعليقات