آخر الأخبار

سبتة بين القانون الدولي والحسابات الانتخابية.. لماذا يصعّد اليمين الإسباني ضد المغرب؟

يعيد التصعيد الميداني الأخير عند معبر «التراخال» إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا يتكرر كلما عاد ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش: كيف تنظر الأطراف المعنية إلى الوضع القانوني والتاريخي للثغرين، ولماذا تستمر أطراف يمينية في إسبانيا في توظيف هذا الملف سياسيًا وانتخابيًا؟ وفي بحث تاريخي أجرته «مغرب تايمز»، يظهر أن توظيف القضية يتجاوز، في بعض الحالات، ردود الفعل الآنية، ليرتبط بالسجال السياسي الداخلي والاستحقاقات الانتخابية الإسبانية.

السند التاريخي: احتلال أسبق من سقوط غرناطة

تعود جذور القضية إلى ما قبل تأسيس الدولة الإسبانية الحديثة بقرون. فقد احتُلت سبتة سنة 1415 ميلادية على يد البرتغال، أي قبل سقوط غرناطة نفسها، قبل أن تنتقل إلى إسبانيا سنة 1668 بموجب معاهدة لشبونة. أما مليلية، فدخلت تحت السيطرة الإسبانية سنة 1497.

ويرى مؤرخون وباحثون مغاربة أن للمدينتين امتدادًا تاريخيًا وحضاريًا وثيقًا بالمجال المغربي، فيما تتمسك إسبانيا، من جانبها، باعتبار سبتة ومليلية جزءًا من أراضيها. وبين الروايتين يستمر الجدل حول الخلفية التاريخية والسياسية والقانونية لوضع المدينتين.

من التقادم إلى القانون الدولي: كيف ينظر المغرب إلى مطالبته؟

يستند الموقف المغربي إلى قراءة تعتبر أن طول فترة السيطرة الاستعمارية لا يحسم، بمفرده، مسألة السيادة، كما يربط أنصار هذا الطرح قضية سبتة ومليلية بمبادئ تصفية الاستعمار وتقرير المصير في القانون الدولي.

غير أن الوضع القانوني للمدينتين يظل موضوعًا تتباين بشأنه المقاربات والتفسيرات، خصوصًا في ظل تمسك إسبانيا بسيادتها عليهما وعدم إدراجهما ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لدى الأمم المتحدة. وقد سعى فاعلون سياسيون وحقوقيون مغاربة، في مناسبات مختلفة، إلى إثارة الملف داخل الأطر الدولية، منتقدين ما يعتبرونه خطوات إسبانية لتكريس الوضع القائم سياسيًا ومؤسساتيًا.

اليمين المتطرف: من صناديق الاقتراع إلى شوارع سبتة

في المقابل، يكشف تتبع خطاب حزب «فوكس» اليميني المتطرف أن ملف سبتة ومليلية يحتل موقعًا بارزًا في خطابه السياسي، خصوصًا في سياق النقاشات المتعلقة بالحدود والهجرة والعلاقات مع المغرب.

وسبق لزعماء في الحزب أن استخدموا خطابًا شديد اللهجة بشأن حماية سبتة ومليلية، كما ارتفعت حدة المواقف السياسية المرتبطة بالمغرب في مناسبات انتخابية وأزمات حدودية. وتكرر ذلك مؤخرًا حين طالب الحزب باستبعاد المغرب من التنظيم المشترك لكأس العالم 2030، على خلفية العبور الجماعي الذي شهدته سبتة أواخر يوليوز الماضي.

وفي الوقت نفسه، أبدت أحزاب إسبانية أخرى، من بينها «سومار» و«بوديموس»، مواقف منتقدة أو متحفظة بشأن بعض جوانب العلاقة مع المغرب، وإن اختلفت دوافعها وخطاباتها عن خطاب «فوكس»، بما يعكس أن القضية لا تقتصر بالضرورة على تيار سياسي واحد.

مؤشرات الاستثمار الانتخابي في المشهد الحالي

تتقاطع المسيرة الأخيرة عند «التراخال» مع هذا السجال السياسي المتكرر: شعارات تطالب بإقالة ممثل الحكومة الإسبانية، ودعوات إلى تشديد التعامل مع الهجرة، وإقحام رموز هوياتية في التعبئة المحلية، في مشهد وصفه رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سانشيز بأنه معارضة «هدامة» تسعى، بحسب تعبيره، إلى استثمار الأزمة سياسيًا بدل التركيز على حلها.

وبين المواقف المتباينة في مدريد، تواصل الرباط طرح قضية سبتة ومليلية ضمن رؤيتها للعلاقات المغربية الإسبانية، مع تمسكها بموقفها التاريخي والسياسي من وضع المدينتين، فيما تستمر إسبانيا في التأكيد على سيادتها عليهما.

وهكذا يبقى ملف سبتة ومليلية مفتوحًا على تقاطع معقد بين التاريخ والسياسة والقانون والعلاقات الثنائية، بينما تكشف الأزمات الحدودية المتكررة أن القضية لا تزال قادرة على إنتاج سجالات سياسية وانتخابية جديدة في الضفتين.

المقال التالي