آخر الأخبار

أزمة هرمز تضع المغرب أمام فاتورة طاقة ثقيلة.. من يتحمل المسؤولية بعد الانتخابات؟

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة يوم الأربعاء 23 شتنبر، يجد المغرب نفسه أمام ملف اقتصادي لا يرتبط فقط بنتائج الاقتراع أو موازين القوى السياسية المقبلة، بل بصدمة خارجية قد تفرض على الحكومة القادمة واحداً من أصعب التحديات الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.

فاضطرابات سوق النفط والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز تعيد إلى الواجهة هشاشة الاقتصاد المغربي أمام تقلبات أسعار الطاقة، خصوصاً أن المملكة تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتغطية حاجياتها من المنتجات النفطية.

والسؤال الذي يفرض نفسه قبل انتقال المسؤولية إلى الحكومة المقبلة هو: هل اتخذت الحكومة الحالية، خلال ولايتها، ما يكفي من الإجراءات الاحترازية لمواجهة سيناريو ارتفاع حاد ومستمر في أسعار النفط واضطراب الإمدادات، أم أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام فاتورة ثقيلة عليها أن تتحمل تبعاتها منذ أيامها الأولى؟

النفط يرفع منسوب المخاطر

تأتي هذه التطورات في وقت شهدت فيه أسعار النفط العالمية ارتفاعات قوية خلال شتنبر، وسط اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط ومخاوف من تداعيات أي تعطّل طويل لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن ارتفاع سعر برميل النفط لا يعني فقط زيادة مباشرة في تكلفة استيراد الخام أو المنتجات النفطية، بل يمكن أن يرفع أيضاً كلفة النقل والتأمين والشحن وأسعار المنتجات المكررة، وهو ما يجعل الصدمة النهائية أكبر من الزيادة المسجلة في سعر البرميل وحده.

وتزداد خطورة السيناريو إذا استقرت أسعار برنت فوق 120 دولاراً لفترة طويلة، إذ إن استمرار الأسعار المرتفعة خلال الأشهر الأخيرة من السنة يمكن أن ينعكس بقوة على الحسابات الخارجية للمملكة.

فاتورة الطاقة تتجه نحو مستويات مقلقة

المعطيات الرسمية لمكتب الصرف تكشف بالفعل عن ارتفاع قوي في حجم الواردات المغربية خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، إذ بلغت 544.045 مليار درهم، مقابل صادرات بقيمة 299.349 مليار درهم، ما أدى إلى ارتفاع العجز التجاري بنسبة 26.5 في المائة.

وفي حال استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، فإن فاتورة الطاقة قد تقفز خلال السنة الجارية إلى مستويات تفوق بكثير ما سجلته المملكة خلال 2025.

وبحسب السيناريو الحسابي الذي يقوم عليه هذا التحليل، يمكن أن تتراوح فاتورة الطاقة خلال 2026 بين 165 و175 مليار درهم إذا استقرت أسعار برنت في نطاق 120 إلى 130 دولاراً للبرميل خلال الجزء المتبقي من السنة.

وإذا تحقق هذا السيناريو، فسيكون المغرب أمام زيادة ضخمة مقارنة بالفاتورة الطاقية المسجلة خلال سنة 2025، وهو ما يعني خروج عشرات المليارات الإضافية من العملة الصعبة لتمويل واردات الطاقة.

العجز التجاري أمام ضغط جديد

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في فاتورة المحروقات، وإنما في انعكاسها المباشر على الميزان التجاري.

فكلما ارتفعت قيمة واردات الطاقة، دون ارتفاع مماثل في قيمة الصادرات، اتسعت الفجوة بين ما يشتريه المغرب من الخارج وما يبيعه للأسواق الخارجية.

وبناء على مسار التجارة الخارجية المسجل خلال السنة الحالية، فإن استمرار الصدمة النفطية يمكن أن يدفع العجز التجاري إلى مستويات أعلى بكثير، وقد يقترب وفق بعض السيناريوهات الحسابية من حاجز نصف تريليون درهم.

وهنا تتحول أزمة هرمز من مجرد أزمة في أسعار المحروقات إلى ضغط على العملة الصعبة والميزان التجاري والقدرة على تمويل الواردات.

الحكومة الحالية أمام سؤال الجاهزية

مع بقاء أيام قليلة على الانتخابات التشريعية، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية عن حجم الفاتورة المحتملة: هل قامت الحكومة الحالية بما يكفي من الإجراءات الاحترازية قبل أن تترك موقعها للحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات؟

فحكومة عزيز أخنوش كانت تملك خلال ولايتها مسؤولية تدبير ملف الطاقة والاستعداد للصدمات الخارجية، خصوصاً أن تقلب أسعار النفط ليس ظاهرة جديدة، وأن المغرب سبق أن واجه موجات قوية من ارتفاع أسعار المحروقات.

وبالتالي، فإن النقاش لا يتعلق فقط بما ستفعله الحكومة المقبلة، وإنما أيضاً بما إذا كانت الحكومة الحالية قد تركت وراءها منظومة قادرة على امتصاص صدمة نفطية كبيرة.

والسؤال هنا ليس اتهاماً مسبقاً للحكومة بعدم اتخاذ أي إجراءات، وإنما مساءلة حول مدى كفاية الإجراءات المتخذة فعلياً مقارنة بحجم المخاطر الحالية.

وزارة الانتقال الطاقي أمام امتحان المخزون الاستراتيجي

تزداد أهمية هذا السؤال بالنسبة إلى وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، باعتبار أن الوزارة تعلن رسمياً أن من بين مهامها تتبع عمليات تزويد السوق الوطنية بالمنتجات النفطية ومراقبة المخزون الاستراتيجي. كما تضع الاستراتيجية النفطية ضمن أهدافها ضمان أمن الإمدادات وتطوير قدرات التخزين وتنويع نقاط دخول المنتجات النفطية.

وتشير وثائق الوزارة كذلك إلى وجود مهام مرتبطة بالمراقبة اليومية للمخزونات، وتتبع مخزونات السلامة والاستراتيجية، وبرامج استيراد المنتجات النفطية.

لكن التطورات الحالية تفرض سؤالاً عملياً ومباشراً: هل مستويات المخزون وقدرات التخزين الحالية كافية فعلاً إذا استمرت اضطرابات الإمدادات لأسابيع أو أشهر؟

وهل جرى إعداد سيناريوهات واضحة للتعامل مع ارتفاع النفط إلى مستويات تتجاوز 120 دولاراً، أو مع ارتفاع متزامن في أسعار المنتجات المكررة والشحن والتأمين البحري؟

هذه الأسئلة تكتسي أهمية خاصة لأن الحكومة المقبلة ستجد نفسها مطالبة بالتعامل مع نتائج أي صدمة قد تتبلور في نهاية 2026، حتى لو كانت أسبابها بدأت خلال الفترة الأخيرة من عمر الحكومة الحالية.

المسؤولية تنتقل.. لكن الأزمة لا تنتظر

الانتخابات قد تغير موازين القوى السياسية، وقد تنتقل أحزاب من الحكومة إلى المعارضة، بينما تدخل أحزاب أخرى إلى السلطة وتتحمل مسؤولية تدبير المرحلة المقبلة.

لكن سوق النفط لا ينتظر تشكيل الحكومة الجديدة، كما أن الأسعار العالمية لا ترتبط بنتائج الانتخابات المغربية.

فإذا استمرت أزمة الإمدادات وارتفعت أسعار النفط، فإن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة منذ أيامها الأولى باتخاذ إجراءات عاجلة لتأمين السوق وتقليص أثر الصدمة على الاقتصاد والمواطنين.

وهنا تبرز أهمية ما إذا كانت الحكومة الحالية قد وضعت بالفعل خططاً انتقالية واضحة، ورفعت مستوى الجاهزية، وضمنت وجود مخزونات كافية، أم أن الحكومة المقبلة ستبدأ ولايتها وهي مطالبة أولاً بمعالجة تداعيات أزمة كانت مؤشرات خطرها واضحة قبل تسلمها المسؤولية.

المواطن في نهاية سلسلة الصدمة

أي ارتفاع حاد ومستمر في أسعار النفط يمكن أن يصل في نهاية المطاف إلى المواطن، سواء عبر المحروقات أو تكاليف النقل أو أسعار السلع والخدمات.

فالوقود يدخل في مختلف مراحل الاقتصاد، من نقل البضائع إلى الفلاحة والصناعة والخدمات، ولذلك فإن صدمة نفطية طويلة يمكن أن تتحول إلى ضغط إضافي على القدرة الشرائية، خصوصاً إذا تزامنت مع ارتفاع أسعار أخرى في الأسواق الدولية.

ومن هنا سيكون على الحكومة المقبلة أن تواجه معادلة صعبة: حماية السوق وضمان استمرار الإمدادات من جهة، ومحاولة الحد من انتقال الصدمة الخارجية إلى الأسعار الداخلية من جهة أخرى.

هل تركت الحكومة الحالية هامشاً للمناورة؟

في نهاية المطاف، لا تكمن القضية فقط في معرفة ما إذا كان النفط سيصل فعلاً إلى 120 أو 130 دولاراً، وإنما في معرفة مدى استعداد المغرب لأسوأ السيناريوهات.

فالسيناريو الذي يضع فاتورة الطاقة في حدود 165 إلى 175 مليار درهم، ويرفع العجز التجاري إلى مستويات تقترب من نصف تريليون، يبقى تقديراً مشروطاً وليس نتيجة مؤكدة، ويتوقف على تطورات أسعار النفط وحركة الملاحة وأسعار المنتجات المكررة وحجم الواردات والصادرات.

لكن مجرد وجود هذا السيناريو يكفي لطرح سؤال سياسي واقتصادي مشروع قبل انتقال البلاد إلى مرحلة حكومية جديدة:

هل اتخذت حكومة عزيز أخنوش ووزارة الانتقال الطاقي ما يكفي من الاحتياطات لمواجهة صدمة نفطية محتملة، أم أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام فاتورة ثقيلة منذ بداية ولايتها؟

وفي الحالتين، فإن ما سيحدد حجم الضرر لن يكون سعر النفط وحده، بل أيضاً مستوى الاستعداد الذي ستدخل به الحكومة المقبلة مواجهة أزمة لا تملك التحكم في أسبابها، لكنها ستتحمل مسؤولية تدبير آثارها على الاقتصاد المغربي والمواطنين.

المقال التالي