هجوم روسي محتمل من الجزائر على المغرب.. هل تستطيع «جيران-5» اختراق أجواء الرباط؟ (وثيقة)

فتحت التلويحات الروسية المتكررة بشأن إمكانية استهداف المغرب وفرنسا عبر مسيّرات منطلقة من الجزائر بابًا واسعًا للتساؤل حول القدرات الفعلية لمنظومة «جيران-5»، ومدى قدرتها، نظريًا، على تنفيذ هجوم بعيد المدى واختراق أجواء دول تمتلك منظومات دفاع جوي متطورة.
من «شاهد» إلى «جيران-5».. مسيّرة تدخل حسابات الهجوم البعيد
الطائرة التي يلوّح بها الإعلام الروسي «ريبار» ليست، وفق المعطيات المتداولة، مجرد نسخة تقليدية من مسيّرات «شاهد» الإيرانية التي استخدمت بكثافة في الحرب الأوكرانية. فـ«جيران-5» توصف بأنها تمثل تطورًا في هذه الفئة من الأسلحة، إذ يبلغ وزنها الإجمالي عند الإقلاع نحو 850 كيلوغرامًا، فيما تتراوح سرعتها بين 450 و600 كيلومتر في الساعة.
أما مداها التقديري فيصل إلى نحو 950 كيلومترًا، مع مدة تحليق تناهز الساعتين وارتفاع أقصى يبلغ نحو 6 كيلومترات. ومن الناحية النظرية، تمنح هذه الأرقام المسيّرة قدرة على قطع مسافات واسعة، ما يجعلها حاضرة في سيناريوهات الهجوم البعيد، إذا توفرت منصة الإطلاق والظروف العملياتية المناسبة.
المحرك النفاث.. عندما تتحول المسيّرة إلى تهديد أسرع
يكمن أحد أبرز عناصر الاختلاف في اعتماد النسخة النفاثة على محرك يتيح لها سرعة أعلى مقارنة بالمسيّرات التقليدية العاملة بالمروحة. وهذا التطور يغيّر بعض معادلات الاعتراض، لكنه لا يعني بالضرورة أن المسيّرة أصبحت بمنأى عن منظومات الدفاع الجوي.
فالسرعة وحدها لا تحسم المعركة؛ إذ تدخل عوامل أخرى في الحساب، من البصمة الرادارية والارتفاع ومسار التحليق، إلى قدرات الرصد والإنذار المبكر وأنظمة التشويش والصواريخ الاعتراضية المستخدمة ضدها.
أرقام الاعتراض في أوكرانيا.. هل تكشف حدود «جيران-5»؟
وتقدم التجربة الأوكرانية ميدانًا مهمًا لفهم حدود هذا النوع من الأسلحة. فالمسيّرات الهجومية، رغم قدرتها على الوصول إلى أهداف بعيدة وإحداث أضرار كبيرة، تتعرض أيضًا لخسائر متكررة أمام منظومات الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.
وتتداول بعض المصادر نسب اعتراض مختلفة بين المسيّرات التقليدية والنسخ النفاثة، إلا أن هذه الأرقام تختلف باختلاف الفترة ونوع السلاح وظروف الهجوم، ولذلك يصعب إسقاطها بصورة مباشرة على سيناريو محتمل بين الجزائر والمغرب أو فرنسا.
وهنا تكمن نقطة أساسية: نجاح مسيّرة في الوصول إلى هدف داخل بيئة قتالية معينة لا يعني بالضرورة قدرتها على تكرار السيناريو نفسه بعد قطع مئات الكيلومترات فوق بيئة جوية مختلفة وأكثر كثافة في وسائل الرصد والاعتراض.
من الجزائر إلى المغرب.. المسافة ليست وحدها المشكلة
ويفترض السيناريو الذي تروّج له بعض الطروحات الروسية توفر الجزائر أصلًا على منظومة «جيران-5» واستخدام أراضيها منصة لإطلاق هجوم باتجاه المغرب. غير أن امتلاك الجزائر لهذه المنظومة لم تؤكده، حتى الآن، وثيقة رسمية معلنة يمكن الاستناد إليها بصورة قاطعة.
كما أن المسألة لا تتعلق بالمدى النظري فقط؛ فتنفيذ هجوم جوي بعيد المدى يتطلب حسابات معقدة تتعلق بمسار الطيران، وقدرة المسيّرة على الملاحة، وتجنب الرصد، والاستمرار في التحليق، ثم الوصول إلى الهدف في ظل وجود منظومات دفاعية متعددة الطبقات.
الرباط وباريس.. اختبار مختلف للدفاعات الجوية
أما الانتقال من سيناريو استهداف المغرب إلى الوصول إلى فرنسا، فيرفع مستوى التعقيد بصورة كبيرة، بسبب المسافة الإضافية والبيئة الجوية الأوروبية وشبكات الرصد والدفاع الجوي المنتشرة حول المنشآت والمناطق الحساسة.
وبذلك، فإن الحديث عن قدرة «جيران-5» على الوصول إلى هدف فرنسي لا يمكن اختزاله في رقم المدى المعلن أو التقديري، بل يتطلب تقييم سلسلة كاملة من العوامل العملياتية، بدءًا من نقطة الإطلاق وانتهاءً بقدرة المسيّرة على تجاوز منظومات الكشف والاعتراض.
بنسليمان في الصورة.. هل يتحول التهديد إلى اختبار للصناعة الدفاعية المغربية؟
وفي المقابل، يكتسب تطور الصناعات الدفاعية المغربية، ولا سيما في مجال المسيّرات، أهمية متزايدة في النقاش حول مستقبل الحرب الجوية منخفضة الكلفة. فالمغرب يعمل على تطوير قدراته في مجال الطائرات غير المأهولة، بالتوازي مع تعزيز منظومات الرصد والدفاع الجوي.
غير أن امتلاك قدرات هجومية أو صناعية في مجال المسيّرات لا يعني تلقائيًا امتلاك منظومة متكاملة لاعتراض هذا النوع من التهديدات؛ إذ إن الدفاع ضد المسيّرات يتطلب مزيجًا من الرادارات وأجهزة الاستشعار والحرب الإلكترونية وأنظمة الاعتراض، إلى جانب منظومات دفاعية قادرة على التعامل مع أهداف مختلفة السرعة والارتفاع.
بين التهديد الروسي والقدرة الفعلية.. أين يقف سيناريو الهجوم؟
حتى الآن، يبقى سيناريو هجوم روسي محتمل من الأراضي الجزائرية باتجاه المغرب في إطار الفرضيات التي تحتاج إلى أدلة أكثر صلابة لإثبات تحولها من خطاب إعلامي إلى قدرة عسكرية فعلية. فوجود سلاح بمدى يقارب المسافة المطلوبة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة العملياتية على استخدامه في هجوم ناجح.
وتبقى «جيران-5» سلاحًا يمكن أن يفرض تحديات حقيقية في حال توفره واستخدامه ضمن سيناريو عملياتي متكامل، لكن اختراق أجواء المغرب أو الوصول إلى أهداف بعيدة داخل فرنسا يظل مرتبطًا بمجموعة واسعة من العوامل، وليس بسرعة المسيّرة أو مداها فقط. وبين خريطة تهديد تُرسم في موسكو وسماء تُراقب من الرباط وباريس، يبقى السؤال الحاسم مرتبطًا بالقدرة الفعلية على الرصد والاعتراض، لا بالمدى النظري وحده.



تعليقات