أسعار النفط تتجاوز عتبة 100 دولار.. هل ينجو بنك المغرب من رفع الفائدة؟

لم يتبقَّ سوى يوم واحد على موعد الحسم؛ فغداً الثلاثاء 22 شتنبر 2026، يجتمع مجلس بنك المغرب في ظرفية دولية مشحونة، بعدما أعادت موجة اضطراب جديدة في أسواق الطاقة سعر الفائدة الرئيسي إلى صدارة النقاش الاقتصادي، مع عودة أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل.
نفط يتجاوز التوقعات.. ماذا يحدث في الأسواق الدولية؟
دفعت التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، والاضطرابات التي طالت بعض مسارات ومنشآت الإمداد، أسعار النفط نحو مستويات مرتفعة لم تكن واردة في أغلب الحسابات الاقتصادية قبل أشهر قليلة. وأغلق خام برنت، الجمعة، عند نحو 104.87 دولاراً للبرميل، رغم تسجيله تراجعاً طفيفاً في ختام الأسبوع، ليدخل بنك المغرب اجتماعه في سياق دولي مغاير تماماً لما عرفته الأشهر السابقة من هذه السنة.
هل يتحمل الاقتصاد المغربي كلفة الطاقة المستوردة؟
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً مرتبطاً بمدى قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص هذه الصدمة الخارجية. فالمغرب، المرتبط بشكل مباشر بتقلبات أسعار الطاقة المستوردة، يواجه اليوم تحدياً مزدوجاً: كلفة آنية تمس المحروقات والنقل والإنتاج، وخطر انتقال تدريجي للضغوط إلى أسعار سلع وخدمات أخرى إذا طال أمد ارتفاع أسعار النفط.
وليست هذه الفرضية مجرد سيناريو نظري، إذ أثبتتها معطيات فعلية سُجلت خلال سنة 2026 نفسها، حين انعكس ارتفاع أسعار الوقود مباشرة على مؤشرات التضخم، مع تسجيل أسعار النقل ارتفاعاً ملحوظاً خلال فترات سابقة من السنة، بالتزامن مع صعود أسعار المحروقات في الأسواق الدولية.
تضخم داخلي هادئ.. فهل يكفي لطمأنة بنك المغرب؟
في المقابل، ترسم البيانات الداخلية صورة مغايرة تماماً. فبحسب آخر معطيات المندوبية السامية للتخطيط المتعلقة بشهر يوليوز، تراجع مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة 1 في المائة مقارنة بشهر يونيو، وانخفض بنسبة 0.6 في المائة على أساس سنوي، فيما تراجع التضخم الأساسي بـ0.1 في المائة على أساس سنوي. كما سجلت أسعار المحروقات خلال الشهر نفسه انخفاضاً بلغ 4.9 في المائة، رغم بقاء أسعار النقل أعلى بـ4.1 في المائة مقارنة بيوليوز من السنة الماضية.
هذا التباين الصارخ بين الصورتين، الخارجية المضطربة والداخلية الهادئة، يضع بنك المغرب أمام معادلة أبعد ما تكون عن الربط الآلي بين ارتفاع النفط ورفع الفائدة. فاستمرار صعود أسعار الطاقة قد يعيد تغذية التضخم المستورد ويرفع كلفة الإنتاج والنقل، وهو ما يفرض حذراً إضافياً، في حين لا يُظهر التضخم الداخلي، وخاصة الأساسي منه، إلى حدود آخر البيانات، ضغوطاً كافية لجعل تشديد السياسة النقدية خياراً محسوماً.
إجماع المستثمرين.. هل يكفي لضمان استقرار الفائدة؟
يستقر سعر الفائدة الرئيسي لبنك المغرب حالياً عند 2.25 في المائة، وترجح جل التوقعات المتداولة، عشية اجتماع الغد، الإبقاء عليه دون تغيير. وفي هذا الاتجاه، كشفت مذكرة لمركز الأبحاث والتحليل التابع لـ«بي إم سي آي كابيتال» أن جميع المستثمرين المؤسساتيين الذين شملهم الاستطلاع يتوقعون الحفاظ على سعر الفائدة عند مستواه الحالي، فيما استبعد 90 في المائة منهم سيناريو رفعه في الظروف الراهنة.
لكن هل يكفي هذا الإجماع لطمأنة صناع القرار؟ فتطورات سوق النفط تُدخل متغيراً جديداً لا يمكن تجاهله، إذ تفوق الأسعار الحالية للخام بكثير المستويات التي كانت تُبنى عليها عدة فرضيات اقتصادية سابقة، وهو ما قد يدفع بنك المغرب إلى إعادة تقييم المخاطر الخارجية، خصوصاً إذا امتد ارتفاع أسعار الطاقة إلى الأشهر المقبلة.
صدمة عابرة أم تحول عميق في حسابات السياسة النقدية؟
مع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن البنك المركزي متجه نحو رفع الفائدة، ذلك أن البنوك المركزية لا تستجيب عادةً لارتفاع مؤقت في أسعار الطاقة بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع تضخم واسع ومستدام يشمل الأجور والخدمات وأسعار مختلف السلع. وتكشف التجربة الدولية الراهنة هذه المعضلة بوضوح، إذ أعادت صدمة الطاقة فتح النقاش حول تشديد السياسة النقدية في عدد من الاقتصادات، في وقت يحذر فيه اقتصاديون من أن رفع الفائدة لمواجهة صدمة مصدرها أساساً ارتفاع كلفة الطاقة قد يضيف ضغطاً إضافياً على الاستهلاك والاستثمار والنمو.
أي معادلة سيحسمها بنك المغرب غداً؟
يجد اجتماع الغد نفسه، إذن، أمام معادلة دقيقة: احتواء أي عودة محتملة للتضخم من جهة، وتفادي تشديد شروط التمويل على الاقتصاد في غياب ضغوط تضخمية داخلية قوية من جهة ثانية. ولن ينحصر الاهتمام، بالتالي، في القرار المتعلق بسعر الفائدة وحده، بل سيمتد إلى قراءة بنك المغرب الجديدة لمسارات التضخم وأسعار النفط والنمو والطلب الداخلي.
فهل بدأت أزمة الطاقة العالمية تعيد فعلاً رسم حسابات السياسة النقدية في المغرب؟ الجواب رهين بساعات معدودة.

تعليقات