آخر الأخبار

وثائق من قلب الأمم المتحدة.. المغرب طالب سنة 1975 بإدراج سبتة ومليلية ضمن ملفات تصفية الاستعمار “وثائق”

تظهر وثائق أممية تعود إلى سنة 1975 أن المغرب حاول رسمياً إدخال قضية سبتة ومليلية والجزر المجاورة لهما إلى مسار تصفية الاستعمار داخل الأمم المتحدة، في خطوة دبلوماسية تجاوزت الإطار الثنائي مع إسبانيا، وتزامنت مع تحركات داعمة للموقف المغربي داخل منظمة الوحدة الإفريقية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

وتعيد هذه الوثائق وضع النزاع حول المدينتين والجزر التابعة لهما في سياقه الدبلوماسي والقانوني خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث طرحت الرباط القضية أمام «لجنة الـ24» التابعة للأمم المتحدة، مطالبة بالتعامل مع تلك المناطق ضمن ملف الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

وتكشف وثيقة أممية تحمل الرقم A/AC.109/475، أن الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة وجّه في 27 يناير 1975 رسالة إلى رئيس اللجنة الخاصة المعنية بتنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، المعروفة بـ«لجنة الـ24».

وطلب المغرب إدراج سبتة ومليلية، إلى جانب صخرة الحسيمة وصخرة باديس وجزر الجعفريات، ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

ووصف المغرب في مراسلته تلك المناطق بأنها من «آخر بقايا الاحتلال الاستعماري» على الساحل المتوسطي الإفريقي، معتبراً أن وضعها التاريخي والسياسي والقانوني يماثل وضع جبل طارق، ومؤكداً أن الرباط لم تتخل عن المطالبة باستعادتها في إطار ما اعتبره استكمالاً لوحدتها الترابية.

مدريد ترفض الطرح المغربي

الرد الإسباني جاء بعد فترة قصيرة، إذ وجه ممثل إسبانيا لدى الأمم المتحدة رسالة مؤرخة في 12 فبراير 1975، حملت الرقم A/AC.109/477، رفض فيها الطرح المغربي.

واعتبرت مدريد أن سبتة ومليلية وصخرة الحسيمة وصخرة باديس وجزر الجعفريات تشكل جزءاً من الوحدة الوطنية الإسبانية، وأن المطالبة المغربية بها تمثل، من وجهة نظرها، مساساً بوحدة إسبانيا وسلامتها الترابية.

وبذلك وضعت مراسلات سنة 1975 أمام لجنة الأمم المتحدة موقفين متعارضين بشكل مباشر: المغرب طالب بإدراج المناطق المذكورة ضمن مسار تصفية الاستعمار، بينما رفضت إسبانيا هذا التوصيف وتمسكت بانتمائها إلى أراضيها.

لجنة الـ24 تقرر مواصلة النظر في الملف

لم تتوقف القضية عند تبادل المراسلات بين الرباط ومدريد، إذ ناقشت لجنة الـ24 المسألة خلال اجتماعاتها في غشت 1975.

وتشير الوثائق الأممية إلى أن فريق العمل التابع للجنة نظر في المراسلات المغربية والإسبانية، قبل أن يوصي بمواصلة النظر في القضية خلال الدورة اللاحقة، وهي التوصية التي اعتمدتها اللجنة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة عند قراءة الوثائق بعيداً عن المبالغة؛ فالملف كان مطروحاً أمام لجنة الأمم المتحدة، لكن ذلك لا يعني أن المنظمة الأممية أصدرت قراراً نهائياً بإدراج سبتة ومليلية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

بمعنى آخر، تثبت الوثائق أن المغرب تقدم بطلب رسمي وأن اللجنة تناولت القضية وقررت استمرار النظر فيها، لكنها لا تثبت صدور قرار أممي نهائي يمنح المدينتين الوضع القانوني نفسه للأقاليم المدرجة رسمياً في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

دعم من منظمة الوحدة الإفريقية

بالتوازي مع التحرك داخل الأمم المتحدة، حصل المغرب سنة 1975 على دعم واضح من منظمة الوحدة الإفريقية، التي أصبحت لاحقاً الاتحاد الإفريقي.

فخلال الدورة الرابعة والعشرين لمجلس وزراء المنظمة، المنعقدة في أديس أبابا بين 13 و21 فبراير 1975، صدر قرار بشأن ما وصفته المنظمة بـ«الجيوب الاستعمارية على الساحل الشمالي للمغرب».

وتضمن القرار الإشارة إلى سبتة ومليلية وصخرة الحسيمة وصخرة باديس وجزر الجعفريات، مع التعبير عن «التضامن الكامل» مع المغرب من أجل استرجاع هذه المناطق.

كما دعا القرار لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة بشأن القضية، وحث إسبانيا على تسريع مسار إنهاء الوجود الاستعماري وبدء مفاوضات مع المغرب.

منظمة المؤتمر الإسلامي تدخل على خط القضية

ولم يقتصر الدعم الإقليمي على منظمة الوحدة الإفريقية، إذ أثير الملف أيضاً داخل منظمة المؤتمر الإسلامي، المعروفة حالياً بمنظمة التعاون الإسلامي.

وخلال المؤتمر السادس لوزراء الخارجية، المنعقد في جدة في يوليوز 1975، صدر قرار حمل الرقم 16/6-P بشأن سبتة ومليلية والجزر الساحلية التابعة لهما.

وتضمن القرار دعم المطالب المغربية المتعلقة باستعادة السيادة على المدينتين، إلى جانب الدعوة إلى طرح القضية أمام آليات تصفية الاستعمار وحث إسبانيا على الدخول في مفاوضات مع المغرب.

وهكذا، وجدت الرباط في تلك المرحلة سنداً مؤسساتياً من منظمتين إقليميتين، بالتوازي مع تحركها داخل الأمم المتحدة.

ماذا تكشف وثائق 1975؟

تُظهر الوثائق المتاحة أن قضية سبتة ومليلية لم تكن بالنسبة إلى المغرب مجرد ملف سياسي يُطرح في التصريحات الرسمية أو في العلاقات الثنائية مع مدريد، بل حاولت الرباط سنة 1975 نقلها إلى المؤسسات الدولية المعنية بتصفية الاستعمار.

كما توثق المراسلات الأممية أن المغرب تقدم بطلب رسمي لإدراج المدينتين والجزر المجاورة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، في وقت رفضت فيه إسبانيا هذا التوصيف وتمسكت باعتبار تلك المناطق جزءاً من وحدتها الوطنية.

وفي المقابل، فإن المسار الأممي لم ينته آنذاك إلى إدراج سبتة ومليلية رسمياً في القائمة الأممية للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهو ما يجعل الوثائق دليلاً على طرح المغرب للقضية داخل مسار تصفية الاستعمار ومناقشتها أممياً، وليس دليلاً على صدور حسم أممي نهائي بشأن السيادة على المدينتين.

ملف قديم يعكس استمرار الخلاف

وبعد أكثر من خمسة عقود، تظل الوثائق المرتبطة بتحرك سنة 1975 جزءاً من السجل الدبلوماسي للنزاع المغربي الإسباني حول سبتة ومليلية والجزر المجاورة.

وتكشف هذه الوثائق أن الخلاف لم يكن محصوراً منذ البداية في الروايتين التاريخيتين المغربية والإسبانية، بل وصل في مرحلة مبكرة إلى مؤسسات الأمم المتحدة، وحظي آنذاك بدعم رسمي من منظمة الوحدة الإفريقية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

كما أن عضوية البلدين في المنظمتين الإفريقية والإسلامية تجعل من اللافت أن الجزائر، التي كانت ولا تزال عضواً فيهما، كانت ضمن الدول الأعضاء في المؤسسات التي صدرت عنها تلك المواقف الجماعية سنة 1975. غير أن الاستنتاج بأن جميع الدول الأعضاء الحالية في المنظمتين تؤيد اليوم الموقف المغربي بشأن سبتة ومليلية يحتاج إلى تمييز بين المواقف المؤسسية الصادرة سنة 1975 وبين المواقف الرسمية الحالية لكل دولة، إذ لا يمكن اعتبار عضوية دولة في منظمة ما دليلاً تلقائياً على استمرار موقفها التاريخي نفسه.

المقال التالي