“جيبهم يعمرو القاعة”.. حشود انتخابية للأحرار تفتح باب الأسئلة حول استغلال الفئات الهشة

تزامنا مع الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر الجاري، تطرح طريقة تنظيم بعض التجمعات الخطابية لحزب التجمع الوطني للأحرار بجهة سوس ماسة أسئلة حول طبيعة الحضور الجماهيري الذي يرافق هذه المهرجانات، ومدى ارتباطه فعلا بالعمل الحزبي وبالبرامج والاختيارات السياسية التي تقدمها قيادة الحزب للناخبين.
فوفق معاينات ميدانية أجراها موقع مغرب تايمز بعدد من المواقع التي احتضنت تجمعات انتخابية للحزب، فقد لوحظ حضور مواطنين قدموا من مناطق قروية وجبلية بعيدة عن أماكن تنظيم هذه اللقاءات، حيث جرى نقل عدد منهم بواسطة حافلات صغيرة وكبيرة وسيارات شحن ووسائل نقل مختلفة، في سياق تعبئة جماهيرية واسعة ترافق المهرجانات الخطابية التي يحضرها عدد من قيادات الحزب.
المسألة، في حد ذاتها، لا تتعلق بمجرد حضور المواطنين إلى لقاء انتخابي، فهذا حق مكفول لكل مواطن، كما أن للأحزاب الحق في تنظيم تجمعاتها والتواصل مع الناخبين. غير أن الإشكال الذي يطرح نفسه، وفق ما وقف عليه موقعنا ميدانياً، يتمثل في طبيعة العلاقة بين بعض الحاضرين والحزب، ومدى معرفتهم بالمشروع السياسي الذي يفترض أن يكونوا جزءا من الحضور الداعم له.
مواطنون حضروا.. لكن ماذا يعرفون عن الحزب؟
خلال حديث موقع مغرب تايمز مع عدد من المواطنين الذين كانوا ضمن الحشود، صرح بعضهم بأنهم قدموا من قرى ومناطق بعيدة لمتابعة المهرجان والاستماع إلى قيادات الحزب.
لكن اللافت، بحسب المعاينة وتصريحات هؤلاء المواطنين، أن عدداً منهم لم يكن قادراً على تقديم إجابات واضحة بشأن البرنامج الانتخابي للحزب، أو مبادئه، أو توجهاته، بل إن بعضهم لم يكن يعرف حتى المسؤول الحزبي الذي يقود التنظيم في المرحلة الحالية.
وتزداد المفارقة وضوحا عندما يتعلق الأمر بحزب يقدم نفسه باعتباره تنظيما سياسيا ذا امتداد وطني، ويخوض الانتخابات ببرنامج انتخابي يحمل شعار “كرامة وفرص للجميع”. فقد أعلن الحزب رسميا أن برنامجه للفترة 2026-2031 يركز على القدرة الشرائية، وجودة الخدمات العمومية والإدماج الاقتصادي، كما تحدثت قيادته عن اعتماد مقاربة تشاركية والإنصات إلى المواطنين أثناء إعداد البرنامج.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان الهدف من هذه التجمعات هو التواصل السياسي وإقناع الناخبين بالبرنامج الانتخابي، فهل يكفي أن تكون القاعة ممتلئة، أم أن الأهم هو أن يكون الحاضرون على معرفة بما يعرض عليهم من برامج وأفكار واختيارات؟
من القرى والجبال إلى قاعات المهرجانات
المشهد الذي رصده موقعنا يفتح أيضا نقاشا أوسع حول طريقة تعامل بعض التنظيمات السياسية مع المواطنين المنحدرين من المناطق القروية والجبلية، خصوصاً الفئات التي تعاني من الهشاشة أو ضعف الولوج إلى المعلومة السياسية.
فبدلا من أن يكون المواطن القروي أو الجبلي محوراً للنقاش حول مشاكله الحقيقية، من التعليم والصحة والنقل وفرص الشغل والاستثمار وفك العزلة، قد يتحول في بعض التجمعات الانتخابية إلى مجرد عنصر في مشهد جماهيري يراد منه إظهار قوة الحضور التنظيمي.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن كل مواطن حضر هذه المهرجانات لا تربطه علاقة بالحزب أو أنه لا يؤمن ببرنامجه، وإنما يتعلق الأمر بما رصده موقعنا في عدد من الحالات التي تمت معاينتها ميدانيا، وبما صرح به بعض المواطنين الذين جرى الحديث إليهم.
القاعة الممتلئة ليست بالضرورة قاعدة حزبية
في السياسة، يمكن للصورة أن تكون قوية: قاعة مكتظة، أعلام حزبية، هتافات، منصات ضخمة وحضور جماهيري واسع.
لكن الصورة وحدها لا تجيب عن سؤال أساسي: كم من الموجودين داخل القاعة حضروا لأنهم يؤمنون فعلاً بالمشروع السياسي للحزب، وكم منهم حضروا لأن جهة ما قامت بتعبئتهم ونقلهم من مناطقهم؟
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقاش داخل حزب يقوده حاليا محمد شوكي، الذي انتُخب رئيسا للتجمع الوطني للأحرار في فبراير 2026 خلفا لعزيز أخنوش.
فالحزب يقول إنه يعتمد على القرب من المواطنين، وسبق لقيادته أن تحدثت عن مشاركة أكثر من 100 ألف مواطن ومواطنة في النقاشات التي واكبت إعداد برنامجه الانتخابي.
لكن القرب السياسي لا يقاس فقط بعدد الأشخاص الذين يمكن جمعهم في فضاء معين، وإنما أيضاً بمدى قدرة الحزب على جعل هؤلاء المواطنين يفهمون برنامجه، ويناقشون مرشحيه، ويطرحون أسئلتهم، ويقررون بناءً على معرفة حقيقية بالاختيارات المطروحة.
أموال ضخمة.. وماذا عن القرى التي جاء منها هؤلاء المواطنون؟
جانب آخر يثير النقاش يتعلق بالكلفة الكبيرة التي ترافق تنظيم بعض المهرجانات الانتخابية، من تجهيز الفضاءات والمنصات واللوجستيك ووسائل النقل وغيرها من المصاريف المرتبطة بالحملات الانتخابية.
لكن السؤال السياسي والاجتماعي يبقى مشروعاً: هل كان من الممكن أن تترجم هذه الإمكانات التنظيمية والمالية الكبيرة أيضاً إلى تواصل مباشر داخل القرى والمناطق الجبلية نفسها، والاستماع إلى السكان هناك حول الطرق، والماء، والصحة، والمدارس، والنقل، وفرص العمل والاستثمار؟
فالمواطن الذي يقطع عشرات الكيلومترات للوصول إلى مهرجان انتخابي لا ينبغي أن يكون مجرد متلقٍ للهتافات والخطب؛ بل يفترض أن يكون طرفاً في النقاش السياسي، وأن يعرف من سيصوت له، ولماذا، وماذا يقترح عليه الحزب.

تعليقات