مرة أخرى….وهبي يرفع شكاية ضد الصحفي طوجني…التضييق على الحريات في عز الحملة الانتخابية

رفع عبد اللطيف وهبي، وزير العدل والعضو بارز في حزب الأصالة والمعاصرة وأمينه العام السابق، شكاية جديدة ضد الصحفي بموقع “مغرب تايمز” محمد رضا طوجني، على خلفية أحد الفيديوهات التي عبر فيها هذا الأخير عن رأيه في إحدى خرجات وهبي ومواقفه، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش حول حدود النقد السياسي وحرية التعبير وعلاقة المسؤولين بالصحافة.
وتأتي هذه الشكاية في سياق سياسي حساس، بالتزامن مع الحملة الانتخابية التي تسبق الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، وهي الفترة التي يفترض أن تنصب فيها اهتمامات القيادات الحزبية ومرشحيها على تقديم برامجهم الانتخابية والتواصل مع المواطنين والدفاع عن تصوراتهم، بدل الدخول في مواجهات مع الصحفيين والمنتقدين.
ومن حق عبد اللطيف وهبي، مثل أي مواطن، أن يلجأ إلى القضاء إذا اعتبر أن هناك تجاوزا للقانون، كما أن الشكاية لا تعني في حد ذاتها ثبوت أي مخالفة في حق الصحفي، ويبقى القضاء وحده الجهة المخولة قانونا للبت في مضمونها. لكن ما يثير التساؤل سياسيا وإعلاميا هو أن يكون مسؤول حكومي بارز، يشغل منصب وزير العدل، في مواجهة صحفي بسبب مضمون يرتبط بانتقاد إحدى خرجاته السياسية.
فوهبي، بحكم موقعه الحكومي والسياسي، ليس شخصية بعيدة عن الأضواء ولا مواطنا عاديا يعيش خارج النقاش العمومي. إنه مسؤول يتحدث ويصرح ويتخذ مواقف ويدافع عن اختيارات سياسية، وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون خرجاته موضوعا للتحليل والنقد والنقاش، خصوصا خلال فترة انتخابية يفترض أن تكون فيها المساحة مفتوحة أمام تعدد الآراء واختلاف المواقف.
المشكلة هنا ليست في حق وهبي في الدفاع عن نفسه أمام القضاء، وإنما في العقلية السياسية التي قد تجعل من النقد خصومة، ومن الرأي المختلف مشكلة، ومن الصحفي الذي يمارس حقه في التعليق والتحليل طرفا في معركة شخصية.
وهنا تحديدا يبدو وهبي في حاجة إلى مراجعة الطريقة التي يتعامل بها مع منتقديه. فالسياسي لا يمكنه أن يختار فقط الأصوات التي تمدحه، ثم يعتبر كل رأي مخالف استفزازا أو إساءة. السياسة تقوم على الاختلاف، والانتخابات تقوم على النقاش، والصحافة تقوم على طرح الأسئلة ومساءلة المسؤولين وانتقاد أدائهم وخرجاتهم.
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذه المواجهة تأتي في الوقت الذي يخوض فيه حزب الأصالة والمعاصرة حملته الانتخابية، حيث يفترض أن يكون التركيز منصبا على إقناع المواطنين ببرنامج الحزب ومرشحيه ومشاريعه، وعلى كسب ثقة أكبر عدد ممكن من الناخبين. أما الدخول في مواجهات مع الصحفيين، فإنه ينقل النقاش من البرامج الانتخابية إلى صراعات جانبية لا تخدم صورة الحزب ولا تساعده على تقديم نفسه أمام المواطنين.
بل إن تصرفات بعض القيادات قد تتحول أحياناً إلى عبء على الحزب نفسه، لأن المواطن لا يفصل دائماًط بين المسؤول وشخصه السياسي وبين التنظيم الذي ينتمي إليه، خصوصا عندما يتعلق الأمر بقيادي بارز وأمين عام سابق للحزب. ولذلك كان من الأجدى، في خضم هذه الحملة الانتخابية، أن يترك وهبي الصحفيين ينتقدون وأن يرد عليهم سياسيا اذا استطاع، وأن يوجه طاقته إلى الدفاع عن حصيلة حزبه وبرنامجه وإقناع المواطنين بدل فتح جبهات جديدة مع الإعلام.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لمسؤول يشغل منصب وزير العدل أن يقنع المواطنين بأن الحريات وحرية التعبير والنقاش العمومي قيم أساسية، بينما يدخل في مواجهة قضائية مع صحفي بسبب مضمون يرتبط بانتقاد إحدى خرجاته؟
السياسي الحقيقي لا ينبغي أن يخاف من النقد، بل عليه أن يتعلم كيف يواجهه. والسياسي الذي يطلب من المواطنين أن يمنحوه أصواتهم عليه أن يكون مستعدا لسماع ما لا يعجبه، تماما كما يستمع إلى ما يرضيه. أما محاولة إسكات النقد أو التضييق على الأصوات المعارضة، فلا تخدم سوى توسيع الهوة بين السياسي والمواطن.
ولذلك فإن وهبي، بدل أن يجعل الصحفيين والمنتقدين جزءا من معاركه الانتخابية، كان الأولى به أن يجعل برنامجه السياسي هو محور هذه الحملة، وأن يقدم للمغاربة ما لديه من أجوبة حول الملفات التي تشغلهم، وأن يترك للمواطنين مهمة الحكم على أدائه واختياراته.
فالانتخابات ليست معركة مع الصحافة، ولا الصحفيون هم الخصم السياسي. الخصم الحقيقي لأي حزب سياسي هو الأسئلة التي يطرحها المواطنون، والبرامج التي يقدمها المنافسون، والثقة التي يسعى كل طرف إلى كسبها داخل المجتمع.
أما حرية التعبير، فلا تختبر عندما يكون الكلام مريحا وموافقا للمسؤول، وإنما تُختبر عندما يكون النقد قاسياً ومزعجاً ومخالفاً للرأي السائد لدى السلطة أو الحزب. ومن هنا فإن أي تضييق على النقد السياسي المشروع لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد خلاف شخصي بين وهبي وطوجني، وإنما باعتباره مناسبة لإعادة طرح السؤال حول علاقة السياسي بالصحافة، وحدود تقبل المسؤول العمومي للنقد، ومستقبل الحريات في النقاش السياسي المغربي.

تعليقات