آخر الأخبار

تحقيقات صادمة تكشف العقل المدبر لحملة “كلنا سبتة” في ملاعب اسبانيا… رجل أعمال أغلب مشاريعه مغربية

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، انتقلت حملة تحمل رسائل داعمة للموقف الإسباني بشأن سبتة المحتلة إلى ملاعب الدوري الإسباني، بعدما ظهر لاعبو عدد من الأندية وهم يرتدون قمصاناً تحمل عبارة «Todos somos caballas»، أي «كلنا سبتيون»، في مبادرة أعادت قضية المدينة المحتلة إلى واجهة المشهد الرياضي والسياسي الإسباني.

ولم تقتصر الحملة على رسائل التضامن، إذ استخدمت تعبيرات من قبيل «التماسك الترابي والاجتماعي في إسبانيا»، ما منحها بعداً يتجاوز الجانب الإنساني، خصوصاً أن سبتة توجد في قلب الخلاف المغربي الإسباني، حيث يعتبرها المغرب مدينة محتلة ويطالب باستعادتها، في مقابل تمسك مدريد بما تسميه «السيادة الإسبانية» عليها. وقد وصلت الرسالة إلى ملايين المشاهدين عبر مباريات الليغا، من بينها مواجهة إلتشي وريال مدريد يوم 15 شتنبر 2026.

لكن خلف هذا الظهور الرياضي، توجد شبكة من رجال الأعمال والمصالح الاقتصادية التي تجعل الحملة أكثر إثارة للتساؤلات. فالمبادرة أطلقتها في 11 شتنبر جمعية رجال الأعمال في فالنسيا (AVE)، التي يرأسها رجل الأعمال الإسباني فيسنتي بولودا، صاحب مجموعة «Boluda Corporación Marítima». الجمعية نفسها أكدت أنها تقف وراء الحملة، وقالت إن هدفها التعبير عن التضامن مع سكان سبتة ودعم «التماسك الترابي والاجتماعي في إسبانيا».

المفارقة أن بولودا، الذي تقود الجمعية التي يرأسها هذه المبادرة المرتبطة بسبتة، ليس رجل أعمال بعيداً عن المغرب، بل ترتبط مجموعته بمصالح اقتصادية ومينائية واسعة داخل المملكة تمتد لسنوات طويلة.

فمجموعة «Boluda» حاضرة في ميناء طنجة المتوسط منذ سنوات، حيث حصلت على امتياز لخدمات القطر والمساعدة المينائية، قبل أن تتوسع علاقاتها داخل المنظومة المينائية المغربية. وتظهر وثائق رسمية أن شركات تابعة للمجموعة تتولى بالفعل خدمات مرتبطة بالموانئ المغربية.

وفي الناظور غرب المتوسط، دخلت بولودا في شراكة مع «Marsa Maroc» لتدبير خدمات القطر والمساعدة البحرية لمدة 20 عاماً، باستثمار يقارب 45 مليون أورو، مع حصة تبلغ 51 في المائة لبولودا مقابل 49 في المائة للشريك المغربي.

ولم تتوقف العلاقة عند هذا الحد، ففي نهاية 2025 تم الإعلان عن اتفاق استراتيجي يقضي بحصول «Marsa Maroc International Logistics» على 45 في المائة من رأسمال وحقوق التصويت في «Boluda Maritime Terminals» مقابل نحو 80 مليون أورو، قبل أن يحصل الاستثمار على الترخيص الحكومي المغربي في أبريل 2026.

وبذلك، فإن العلاقة بين مجموعة بولودا والمغرب لا ترتبط بعقد تجاري عابر، وإنما تمتد عبر مصالح تشغيلية في طنجة المتوسط، وشراكة طويلة الأمد في الناظور غرب المتوسط، ثم استثمار مغربي كبير في إحدى أذرع المجموعة الإسبانية العاملة في مجال المحطات المينائية.

وفي الوقت الذي تتوسع فيه هذه المصالح الاقتصادية داخل المغرب، اختارت الجمعية التي يرأسها بولودا إطلاق حملة واسعة حول سبتة، انتقلت من فضاء رجال الأعمال إلى ملاعب كرة القدم الإسبانية، حيث تحولت العبارة «Todos somos caballas» إلى صورة جماهيرية وصلت إلى ملايين المتابعين. وقد أظهرت تغطية المواجهة بين إلتشي وريال مدريد أن بعض اللاعبين، من بينهم كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وإبراهيما كوناتي، لم يعرضوا العبارة بشكل كامل، وهو ما فتح نقاشاً حول طبيعة المبادرة وحدود التعبير السياسي في الملاعب.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية: رجل أعمال إسباني يقود جمعية أطلقت حملة ذات مضمون مرتبط بوحدة الأراضي الإسبانية في ملف سبتة، بينما ترتبط مجموعته في الوقت نفسه بعقود واستثمارات وشراكات استراتيجية داخل المغرب.

هذه المعطيات تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الفصل بين المصالح الاقتصادية والمواقف السياسية، وحول مدى أخذ المؤسسات المغربية في الاعتبار مخاطر السمعة والمواقف السياسية للشركاء الأجانب، خصوصاً عندما يكون الشريك الاقتصادي نفسه منخرطاً في مبادرة تتناول قضية سيادية حساسة بين الرباط ومدريد.

فالقضية لم تعد مجرد قمصان ظهرت في ملاعب كرة القدم، بل أصبحت تكشف تداخل المال والأعمال والرياضة والسياسة في ملف سبتة، في وقت تتواصل فيه العلاقات الاقتصادية بين المغرب والمجموعة التي يقود رئيسها الجمعية صاحبة المبادرة.

المقال التالي