من سبتة إلى بروكسيل.. كيف تحوّلت أزمة الهجرة إلى اختبار لالتزامات المغرب الحدودية؟

تتسع دائرة تداعيات أزمة سبتة التي اندلعت في 30 يوليوز الماضي، لتتجاوز بكثير حدود تدبير موجة عابرة من الهجرة غير النظامية، بعدما بات الاتحاد الأوروبي يتعامل مع ما يجري على تخوم المدينة باعتباره شأناً يمسّ أمن حدوده الخارجية مباشرة، في وقت تعكف فيه بروكسيل على صياغة أدوات جديدة لمواجهة ما تصفه بـ«توظيف الهجرة» أو تحويلها إلى سلاح ضغط سياسي.
بروكسيل تُعلن حدود سبتة حدوداً أوروبية بامتياز
وعشية الإعلان الذي تُحضّر له رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن إطار أوروبي جديد للاستجابة لموجات الهجرة الجماعية «المدبَّرة أو المُسلَّحة»، كان مفوض الشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، قد حسم الموقف بعبارة صريحة مفادها أن «حدود سبتة هي حدود أوروبية»، مؤكداً استعداد المفوضية الكامل لدعم الدول الأعضاء في حمايتها.
من ملف ثنائي إلى قضية أوروبية جماعية
ومن الزاوية الأوروبية، لم يعد ما يقع عند سبتة يُقرأ باعتباره ملفاً ثنائياً يخص الرباط ومدريد وحدهما، فالاتحاد يعتبر المدينة امتداداً لحدوده الخارجية، فيما تضع المفوضية «منع المغادرات غير النظامية» من دول الجوار في صدارة أولويات شراكاتها في مجال الهجرة، بعدما ربطت رسمياً أحداث الصيف في سبتة بضرورة تعزيز حماية الحدود ومحاربة التهريب والتعاون مع دول ثالثة.
ما تنتظره أوروبا من الرباط لضبط التدفقات
وفي هذا السياق، تؤكد مصادر متابعة للملف، اليوم الخميس، أن المطلوب أوروبياً لا يقتصر على استعادة المهاجرين بعد وصولهم إلى سبتة، بل يمتد إلى منع انطلاق الموجات الجماعية من الأراضي المغربية أصلاً، ورصد التحركات مسبقاً، ومحاربة شبكات التهريب والتعبئة الرقمية، إلى جانب تشديد المراقبة البرية والبحرية.
تنسيق مغربي إسباني يحظى بإشادة أوروبية متجددة
وقد أشاد المفوض الأوروبي نفسه، عقب أزمة يوليوز، بمستوى التعاون بين إسبانيا والمغرب والمفوضية، وبالإجراءات التي اتخذتها الرباط ومدريد لتعزيز المراقبة ومنع وصول موجات جديدة، وهو ما يعني أن حجم هذا التعاون بات جزءاً من تقييم بروكسيل لقدرة حدودها الخارجية على الصمود.
القانون الأوروبي يفرّق بين التقصير والتواطؤ
غير أن القانون الأوروبي يضع شروطاً دقيقة لاعتبار الأمر «توظيفاً للهجرة»، إذ يُفترض أن تُقدم دولة ثالثة أو جهة معادية على تشجيع أو تسهيل انتقال المهاجرين نحو حدود الاتحاد بقصد زعزعة استقرار دولة عضو أو الاتحاد ذاته، وهو ما يفسر تمييز دراسة حديثة لخدمة الأبحاث بالبرلمان الأوروبي بين مسؤولية مراقبة الحدود وبين إثبات عملية متعمدة لاستخدام المهاجرين أداة ضغط، خاصة بعدما أكد رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، عدم توفر أي أدلة تربط المغرب بتنظيم موجة العبور الأخيرة.
سبتة اختبار جديد لعلاقة الرباط ببروكسيل
ويبدو أن الاتحاد الأوروبي يبني تدريجياً منظومة متكاملة تجعل من أي موجة جماعية على حدود سبتة أو مليلية قضية أوروبية بامتياز، لا شأناً إسبانياً محضاً. وكلما اعتبرت بروكسيل المدينة جزءاً من حدودها الخارجية، ارتفع منسوب الضغط على المغرب لمنع الوصول إليها من جهته، وأصبح أي خلل كبير في هذا التعاون قابلاً للانتقال من ملف هجرة عادي إلى قضية أمنية وسياسية أوسع نطاقاً.

تعليقات