هل ينجح سانشيز في طي أزمة سبتة بنهاية 2026 رغم تضارب الروايات الرسمية؟

يجدد رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، رهانه على استعادة مدينة سبتة المحتلة استقرارها الكامل بحلول نهاية سنة 2026، في وقت لا يزال فيه ملف الأزمة بعيدا عن الإغلاق، بل يتفاعل يوميا بكشف تفاصيل جديدة تتعلق بما عرفته أجهزة الاستخبارات الإسبانية قبل الدخول الجماعي للمهاجرين. فالتصريحات التطمينية التي أدلى بها سانشيز في برنامج «إل إنترميديو» تصطدم بواقع سياسي وأمني أكثر تعقيدا مما يوحي به خطابه الهادئ.
رواية الحكومة في مواجهة تقرير الشرطة
الأزمة التي يتحدث عنها سانشيز باعتبارها في طريقها إلى الحل، انطلقت مع دخول أكثر من 70 ألف شخص إلى سبتة خلال يومي 30 و31 يوليوز الماضي، وهو الحدث الذي وصفته الحكومة منذ اليوم الأول بأنه نتاج شائعات وأخبار زائفة انتشرت عبر الشبكات الاجتماعية، مستبعدة أي تورط مغربي رسمي. غير أن تقريرا للشرطة الوطنية الإسبانية، أعده المركز الوطني للهجرة والحدود، ذهب في اتجاه مغاير تماما، إذ خلص إلى وجود «تخطيط مسبق» للدخول الجماعي، ووثّق مشاركة عناصر من قوات الأمن المغربية بشكل فاعل خلال عملية العبور، في تناقض صريح مع الرواية الرسمية التي روّجت لها حكومة سانشيز منذ البداية.
استقالة تكشف عن تضارب داخل الحكومة نفسها
لم يقتصر الجدل على التقرير الأمني، إذ فجّرت وثائق سرية مسربة من المركز الوطني للاستخبارات أزمة داخل الإدارة المفوضة للحكومة في سبتة، بعدما تبيّن أن رئيس ديوان المندوب الحكومي، غونزالو سانز، تلقى قبل الدخول الجماعي بيوم واحد رسالة عبر «واتساب» من أحد عناصر الاستخبارات تحذّره من نشاط جماعات على الشبكات الاجتماعية تحرّض على اقتحام الحدود، بل إنه أجرى أيضا مكالمة هاتفية استغرقت نحو إحدى عشرة دقيقة مع أحد عناصر الجهاز في اليوم ذاته. الأمر الذي دفعه لاحقا إلى تقديم استقالته وسط ما وُصف بتضارب واضح بين تصريحه بأن المعلومة أُحيلت إلى المندوب الحكومي وبين نفي هذا الأخير تلقيها.
المندوب الحكومي ينفي العلم و«يتشبث» بمنصبه
في مقابل استقالة مساعده المباشر، اختار مندوب الحكومة في سبتة، ميغيل أنخل بيريز تريانو، التمسك بمنصبه، مؤكدا أنه لم يكن على علم بالرسائل ولا بالمكالمة الهاتفية التي أجراها رئيس ديوانه مع الاستخبارات، ومكتفيا بوصف ما جرى بأنه لم يكن سوى «تبادل عادي للمعلومات». هذا التبرير لم يقنع المعارضة اليمينية، التي اعتبرت، على لسان أحد قياديي «الحزب الشعبي»، أن الاستقالة جاءت لأن المسؤولين كانوا يقدمون معلومات «مزيَّفة» حول الأزمة للرأي العام.
سانشيز و«سيناريوهات نتفليكس»: نفي بلا دليل مضاد
في خضم هذا التضارب الداخلي، اختار سانشيز أن يوجّه خطابه نحو تبديد فرضية «الضغط المغربي» المرتبطة بمزاعم اختراق هاتفه المحمول، واصفا إياها بأنها افتراءات أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. غير أن هذا النفي القاطع يظل غير مدعوم بأي عنصر تحقيقي معلن، في وقت لم توضح فيه الحكومة بعد سبب عدم وصول المعلومة الاستخباراتية التي توفرت لرئيس ديوان مندوبها في سبتة إلى الجهات الأعلى، وهو ما تصفه تقارير متابِعة للملف بأنه لغز لا يزال قائما حول الطريقة التي أُديرت بها المعلومة الحساسة قبل 24 ساعة فقط من انفجار الأزمة.
غضب شعبي يضاعف الضغط على الحكومة
الرهان الحكومي على «نهاية السنة» كأفق للاستقرار يأتي أيضا في سياق احتقان شعبي متصاعد، إذ شهدت مدن إسبانية عدة، من بينها سبتة ومدريد وبرشلونة، مظاهرات حاشدة نظمها الاتحاد الإسباني للبلديات والأقاليم بقيادة معارضين لسانشيز، رُفعت خلالها هتافات صريحة تطالب برحيل رئيس الحكومة، إلى جانب احتجاجات موازية ذات طابع مناهض للعنصرية. هذا المشهد يكشف أن الأزمة تجاوزت البعد الدبلوماسي مع الرباط لتتحول إلى ورقة ضغط داخلية تستثمرها المعارضة لمساءلة إدارة الحكومة لملف الهجرة برمته.
سابقة 2021 تلقي بظلالها على خطاب اليوم
ليست هذه المرة الأولى التي تتكرر فيها المعادلة نفسها بين مدريد والرباط؛ ففي أزمة مماثلة سنة 2021، حين عبر آلاف المهاجرين إلى سبتة عقب تخفيف مفاجئ لضبط الحدود من الجانب المغربي، سارعت الحكومة الإسبانية آنذاك أيضا إلى تفادي الربط المباشر بين الحادثة والخلافات السياسية مع الرباط، قبل أن يتهم وزير الدفاع الإسباني حينها الرباط علنا بممارسة «ابتزاز» سياسي. تكرار النمط نفسه، بين تطمين رسمي أولي وتراجع لاحق أو تناقض داخلي، يجعل تصريحات سانشيز الحالية عرضة لمزيد من التدقيق النقدي، خصوصا أن جلسة قادمة للبرلمان الأوروبي حول تطورات سبتة قد تعيد فتح النقاش حول مدى دقة الرواية الإسبانية الرسمية لما جرى.
سؤال معلّق ينتظر جوابا واضحا
تبقى المسافة بين خطاب سانشيز التطميني وواقع الملف الميداني هي ما يحدد مصير الرهان الذي أعلنه على «نهاية السنة»، فالحكومة الإسبانية مطالَبة أولا بتفسير مقنع لكيفية ضياع معلومة استخباراتية حساسة بين مسؤوليها قبل يوم واحد فقط من دخول عشرات الآلاف إلى سبتة، قبل أن تنتقل إلى مرحلة طي الأزمة نهائيا مع الرباط. وإلى أن يُحسم هذا الغموض الداخلي، ستظل الرواية الرسمية عرضة للمساءلة من المعارضة الإسبانية بقدر ما هي عرضة لاختبار الشارع الذي خرج مطالبا بمحاسبة سياسية واضحة.

تعليقات