توقيف أعضاء “النهج” بسبب الدعوة لمقاطعة الانتخابات.. هل يريد الحزب إصلاح الديمقراطية أم هدم إحدى ركائزها؟


أوقفت قوات الأمن بمدينة سلا، مساء أمس الاثنين، ستة أعضاء من حزب النهج الديمقراطي العمالي، على خلفية توزيع منشورات تدعو المواطنين إلى مقاطعة الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر، قبل أن يتم إخلاء سبيلهم لاحقاً.
وجاءت التوقيفات في سياق حملة ميدانية يخوضها الحزب للتعبئة ضد المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، وهي الحملة التي سبق أن واجهت بدورها توقيفات ومنعاً لأنشطة مماثلة في مدن أخرى.
وأدان الحزب توقيف أعضائه، معتبراً أن دعوتهم إلى المقاطعة تندرج ضمن ممارسة حقهم في التعبير عن موقف سياسي، فيما اعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن ما جرى يمثل تضييقاً على حرية الرأي والتعبير. ومن الناحية الديمقراطية، يبقى التعبير السلمي عن المواقف السياسية، بما فيها المواقف الرافضة لانتخابات أو سياسات معينة، جزءاً من النقاش العمومي، شريطة احترام القانون وعدم اللجوء إلى العنف أو التحريض عليه.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بحق حزب سياسي في انتقاد الانتخابات، بل يمتد إلى طبيعة الرسالة التي يوجهها النهج الديمقراطي إلى المواطنين عندما يدعوهم إلى الابتعاد عن صناديق الاقتراع. فانتقاد الانتخابات شيء، والدعوة إلى التخلي عن إحدى أهم وسائل المشاركة السياسية شيء آخر. وإذا كانت هناك اختلالات في العملية الانتخابية أو انتقادات للدستور والقوانين أو لطريقة تدبير المؤسسات، فإن الطريق الطبيعي لمعالجتها يمر أيضاً عبر المشاركة والنضال السياسي والمؤسساتي، وليس عبر إقناع المواطنين بأن عدم التصويت هو الحل.
فالانتخابات ليست مجرد يوم يضع فيه المواطن ورقة في صندوق، وإنما هي إحدى الآليات الأساسية التي تسمح للمجتمع باختيار ممثليه ومحاسبتهم وتغيير موازين القوى السياسية. ومن خلالها تتشكل المؤسسات المنتخبة، وتتحدد الأغلبية والمعارضة، وتنتقل المطالب الاجتماعية والاقتصادية إلى برامج وسياسات قابلة للمحاسبة. وبدون انتخابات ومشاركة شعبية، يصبح المجال السياسي أكثر عرضة للفراغ، وتفقد فكرة التمثيلية الديمقراطية جزءاً أساسياً من معناها.
والأكثر إثارة للجدل أن الحزب ينتقد البرلمان ويصفه بالمؤسسة الشكلية، لكنه في الوقت نفسه يطلب من المواطنين الابتعاد عن إحدى الآليات التي تمكنهم من التأثير في تركيبته. فإذا كان البرلمان، في نظره، لا يعكس الإرادة الحقيقية للمغاربة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يمكن تغيير هذه المؤسسة إذا تم إقناع المواطنين بالتخلي عن التصويت وترك صناديق الاقتراع لمن يشارك فيها؟ فالمقاطعة قد تكون موقفاً احتجاجياً، لكنها لا تنتج بالضرورة بديلاً سياسياً، ولا تمنح المواطن بشكل تلقائي مؤسسة أفضل أو ممثلين أكثر كفاءة.
صحيح أن الديمقراطية لا تختزل في الانتخابات وحدها، وأن من حق المواطنين والأحزاب انتقاد طريقة تنظيمها والمطالبة بإصلاح القوانين والمؤسسات ومحاربة المال الانتخابي وتوسيع المشاركة السياسية، لكن تحويل المقاطعة إلى مشروع سياسي دائم يهدد بتحويل العزوف إلى سلوك طبيعي، خصوصاً في وقت تحتاج فيه الحياة السياسية إلى مشاركة أوسع، وإلى مواطنين يختارون ويحاسبون ويغيرون، بدل الاكتفاء بالابتعاد عن المشهد.
وبينما يحق للنهج الديمقراطي العمالي أن يرفع شعار المقاطعة وأن يشرح للمواطنين مبرراته، يظل من حق الرأي العام أيضاً مساءلة هذا الخيار وطرح كلفته السياسية. فالانتخابات قد لا تكون مثالية، والمؤسسات قد تحتاج إلى إصلاحات عميقة، لكن علاج عيوب الديمقراطية لا يكون بالضرورة بالابتعاد عنها. وفي نهاية المطاف، تظل صناديق الاقتراع إحدى أهم الوسائل التي يمتلكها المواطن للتأثير في مستقبل بلاده، واختيار من يمثله، ومعاقبة من أخلف وعوده، ومنح فرصة لمن يقدم بديلاً مقنعاً.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين المشاركة والمقاطعة فقط، بل بين من يريد إصلاح الحياة السياسية من داخلها ومن يعتقد أن الانسحاب منها يمكن أن يحقق التغيير. وبينما يستمر النهج في حملته لمقاطعة انتخابات 23 شتنبر، يبقى السؤال مفتوحاً أمام المواطنين: هل مواجهة اختلالات الديمقراطية تكون بمزيد من المشاركة والمحاسبة والضغط من داخل العملية السياسية، أم بترك صناديق الاقتراع فارغة؟





تعليقات