عجز الميزانية يصل 56,9 مليار درهم رغم ارتفاع المداخيل.. أرقام الخزينة تضع تدبير لقجع تحت المجهر


كشفت أرقام الخزينة العامة للمملكة، الصادرة اليوم الثلاثاء، عن اتساع عجز الميزانية إلى 56,9 مليار درهم عند متم شهر غشت 2026، مقابل 54,1 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، في مؤشر يعكس استمرار الضغط على المالية العمومية، رغم تحسّن مداخيل الدولة.
وهو ما يضع حصيلة الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، أمام اختبار الأرقام الرسمية، ويطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يتّسع العجز في وقت ترتفع فيه الموارد؟
عجز «مُخفَّف» بـ16,8 مليار درهم من خارج الميزانية العامة.. فهل الرقم الحقيقي أكبر؟
رغم ارتفاع الموارد، لم تفلح الحكومة في كبح جماح العجز، إذ أوضحت الخزينة العامة للمملكة، في نشرتها الشهرية حول «إحصائيات المالية العمومية»، أن رقم العجز المعلن يأخذ بعين الاعتبار رصيدًا إيجابيًا بلغ 16,8 مليار درهم، مصدره الحسابات الخصوصية للخزينة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، وهو رصيد لا علاقة له بأداء الميزانية العامة في حد ذاتها.
وبعبارة أخرى، لولا هذا الرصيد الإيجابي «الخارجي»، لكان عجز الميزانية العامة وحدها في حدود 73,7 مليار درهم، وهو ما يطرح تساؤلًا حول مدى دقة الخطاب الرسمي المقدَّم للرأي العام.
وفي المقابل، ارتفعت المداخيل العادية بنسبة 5,5 في المائة لتصل إلى 286,6 مليار درهم، مدفوعة بزيادة الضرائب المباشرة بنسبة 12,7 في المائة، والرسوم الجمركية بنسبة 8,8 في المائة، والضرائب غير المباشرة بنسبة 8 في المائة، ورسوم التسجيل والتنبر بنسبة 12,6 في المائة، في حين تراجعت الإيرادات غير الضريبية بنسبة 27,4 في المائة.
والمفارقة أن المواطنين والمقاولات يؤدّون فاتورة ضريبية أثقل، دون أن ينعكس ذلك على ضبط عجز الميزانية.
النفقات ترتفع بوتيرة أسرع من المداخيل.. وتدبير لقجع أمام اختبار ضبط الإنفاق
لم يمنع ارتفاع المداخيل استمرار تصاعد النفقات، إذ بلغت نفقات الميزانية العامة 397,5 مليار درهم عند متم غشت، بزيادة قدرها 10,4 في المائة، أي بوتيرة تقترب من ضعف وتيرة نمو المداخيل، التي بلغت 5,5 في المائة.
ويُعزى ذلك إلى ارتفاع نفقات التسيير بنسبة 13,2 في المائة، ونفقات الاستثمار بنسبة 8,2 في المائة، وتحمّلات الدين المدرجة في الميزانية بنسبة 3,8 في المائة.
وتكشف هذه المعطيات عن اتساع الفجوة بين الموارد والنفقات، بما يضع سياسة تدبير الميزانية التي يشرف عليها لقجع أمام أسئلة صعبة بشأن مدى قدرتها على ضبط الإنفاق العمومي.
خدمة الدين تلتهم أكثر من 72 مليار درهم.. عبء يثقل كاهل الميزانية
تتضح كلفة هذا الضغط أكثر عند احتساب خدمة الدين، إذ ارتفعت تسديدات أصل الدَّين بنسبة 4,1 في المائة لتبلغ 37,3 مليار درهم، فيما صعدت فوائد الدين بنسبة 3,4 في المائة إلى 35 مليار درهم.
وبذلك، يصل مجموع خدمة الدين إلى نحو 72,3 مليار درهم، متجاوزًا حجم العجز المعلن نفسه.
ويُعزى ارتفاع تسديدات أصل الدَّين إلى زيادة استهلاكات الدين الخارجي بمقدار 7,3 مليار درهم، مقابل انخفاض استهلاكات الدين الداخلي بمقدار 5,8 مليار درهم، ما يجعل خدمة الدين واحدة من أبرز النفقات التي تثقل كاهل الميزانية، وتتنافس مع النفقات الاجتماعية والاستثمارية على الموارد المتاحة.
التزامات بأكثر من 609 مليارات درهم.. مؤشر على ضغط مالي مؤجَّل؟
في الوقت ذاته، تكشف الالتزامات بالنفقات عن حجم إضافي من الضغط المالي، بعدما بلغت 609,1 مليار درهم عند متم غشت 2026، بما فيها الالتزامات غير الخاضعة للتأشيرة المسبقة، مسجّلة معدل التزام إجماليًا قدره 61 في المائة، مقابل 59 في المائة خلال الفترة نفسها من سنة 2025.
كما بلغ معدل الإصدار على الالتزامات 87 في المائة، مقابل 86 في المائة قبل سنة.
وفي الوقت نفسه، سجّلت الحسابات الخصوصية للخزينة مداخيل بقيمة 147,8 مليار درهم، ونفقات بلغت 131,9 مليار درهم، ليستقر رصيدها عند 15,9 مليار درهم، أي الجزء الأكبر من الرصيد الإيجابي الذي «خفّف» من حجم العجز المعلن، كما أشرنا أعلاه.
معدل إنجاز الاستثمار لا يتجاوز 57,6 في المائة.. فيما تمضي نفقات التسيير دون عوائق
لم تخرج مرافق الدولة المسيَّرة بصورة مستقلة عن دائرة الضغوط، إذ تراجعت مداخيلها بنسبة 2,6 في المائة لتصل إلى 2,013 مليار درهم، في حين ارتفعت نفقاتها بنسبة 13,5 في المائة لتصل إلى 1,125 مليار درهم، في مفارقة أخرى تجمع بين تراجع الموارد وتصاعد الإنفاق.
وبالتوازي مع ذلك، لم تتجاوز نسبة إنجاز المداخيل العادية 68,3 في المائة من توقعات قانون المالية، في حين بلغت نسبة تنفيذ النفقات العادية 72 في المائة، أي أن وتيرة الإنفاق تفوق وتيرة التحصيل، حتى قياسًا بتوقعات الحكومة نفسها.
والأكثر دلالة أن معدل إصدار نفقات الاستثمار لم يتجاوز 57,6 في المائة، وهو أدنى معدلات الإنجاز مقارنة بنفقات التسيير، ما يعكس تفاوتًا صارخًا بين البرمجة والتنفيذ.
ويطرح ذلك سؤالًا جدليًا: هل تُدار الميزانية لخدمة الجهاز الإداري أكثر مما تُدار لخدمة التنمية والاستثمار العمومي؟
بين خطاب التوازنات الكبرى وواقع الأرقام.. أي مصداقية لتدبير لقجع؟
تضع هذه المؤشرات مجتمعةً خطاب تدبير المالية العمومية أمام امتحان النتائج: فارتفاع المداخيل لم يحُل دون اتساع العجز، والنفقات وتحمّلات الدين واصلت صعودها، في وقت ظلّت فيه وتيرة تنفيذ الاستثمار دون التوقعات.
وبينما يدافع لقجع عن اختيارات الحكومة المالية باعتبارها تستند إلى الحفاظ على التوازنات الكبرى، تكشف أرقام الخزينة نفسها أن هذه الاختيارات تواجه تحديات واضحة في ضبط النفقات وتقليص العجز.
بل إن جزءًا من «التحسّن» الظاهر في رقم العجز المعلن مصدره أرصدة لا علاقة لها بالميزانية العامة في حد ذاتها.
56,9 مليار درهم عجزًا.. أرقام الخزينة تضع تدبير لقجع للمالية العمومية أمام اختبار حقيقي، وتفتح النقاش حول مدى نجاعة السياسات المتبعة في التحكّم في الإنفاق وحماية التوازنات المالية للدولة.





تعليقات