آخر الأخبار
Banner Narsa
Banner Narsa
Banner Narsa

ملايين وولائم و”بيكوبات” لحشد المواطنين.. ماذا وقع في لقاء “البام” بجماعة المهارة إقليم تارودانت؟

Banner Narsa

لم يكن اللقاء التواصلي الذي نظمه حزب الأصالة والمعاصرة، مساء الأحد بدوار إكيدار جماعة المهارة بإقليم تارودانت، مجرد نشاط انتخابي عابر، بالنظر إلى حجم الحضور والإمكانيات اللوجستيكية التي رافقته، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول الأموال التي صرفت لتنظيم هذا التجمع، والطريقة التي جرى بها حشد المواطنين من عدد من الدواوير والمناطق المجاورة.

فبحسب مصادر خاصة، واستناداً إلى معاينة ميدانية لمكان اللقاء، جرى تشييد قاعة ضخمة فوق ملعب لكرة القدم بقرية إكيدار التابعة لجماعة المهارة، وهي منشأة مؤقتة قالت المصادر إن كلفتها بلغت عشرات ملايين السنتيمات، في وقت تعاني فيه المنطقة، وفق إفادات متطابقة، من خصاص كبير على مستوى عدد من البنيات والتجهيزات الأساسية.

قاعة بملايين السنتيمات.. في جماعة تعاني من الخصاص

المفارقة التي يطرحها هذا اللقاء تبدأ من المكان نفسه.

ففي جماعة قروية توصف بأنها من بين الجماعات الأكثر هشاشة بإقليم تارودانت، حيث ما تزال مطالب الساكنة مرتبطة أساساً بالبنيات التحتية والخدمات الأساسية وفك العزلة عن الدواوير، جرى تخصيص إمكانيات مالية ولوجستيكية كبيرة لإقامة تجمع انتخابي ضخم.

وتساءلت مصادر محلية عن الأولويات التي يفترض أن تحكم مثل هذه النفقات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنطقة ما تزال في حاجة إلى مشاريع تنموية حقيقية تترك أثراً دائماً لدى السكان، عوض منشآت مؤقتة تختفي بانتهاء المناسبة الانتخابية.

فالمواطن القروي الذي يحتاج إلى طريق وماء وتجهيزات وخدمات أساسية، قد يجد نفسه أمام سؤال بسيط: هل كان الأولى أن تصرف هذه الأموال في ليلة انتخابية، أم أن توجه إلى مشروع يبقى أثره في المنطقة لسنوات؟

تعبئة من الدواوير.. ووليمة في انتظار المواطنين

ولم تتوقف الإمكانيات المسخرة عند بناء القاعة وتجهيزها، إذ أفادت مصادر خاصة بأن منسقي حزب الأصالة والمعاصرة في عدد من الدواوير والجماعات المجاورة انخرطوا في عملية واسعة لتعبئة المواطنين وحثهم على الحضور.

وحسب المصادر ذاتها، جرى التواصل مع عدد من المواطنين ودعوتهم إلى تناول العشاء، مع إخبارهم بأن فرقاً موسيقية ستشارك في إحياء الحفل، في وقت جرى فيه نقل مواطنين من مناطق مختلفة إلى مكان اللقاء.

وتطرح هذه الطريقة في التعبئة سؤالاً أوسع حول الحدود الفاصلة بين التواصل السياسي المشروع وبين تحويل التجمعات الانتخابية إلى مناسبات لاستقطاب المواطنين عبر الولائم والعروض الفنية، خصوصاً في مناطق تعاني أصلاً من الفقر والهشاشة.

مواطنون على متن “البيكوبات”.. والانتظار لساعات

الأكثر إثارة للجدل، وفق ما أفادت به مصادر محلية، هو طريقة نقل بعض المواطنين إلى مكان اللقاء، حيث جرى حشد عدد منهم على متن سيارات شحن “بيكوب”، في ظروف وصفت بأنها لا تستجيب لأدنى شروط السلامة.

وبحلول الساعة الثامنة مساء تقريباً، كانت القاعة قد بدأت تمتلئ بالحاضرين، غير أن قيادات الحزب، وفي مقدمتها عبد اللطيف وهبي وفوزي لقجع، لم تصل إلى مكان اللقاء إلا بعد الساعة الحادية عشرة ليلاً.

أي أن مواطنين جرى استقدامهم من مناطق مختلفة ظلوا لساعات طويلة في انتظار وصول المسؤولين السياسيين، وسط أجواء ليلية صعبة ورياح شرقية جافة ودرجات حرارة مرتفعة.

وهنا تبرز المفارقة: المواطن الذي استُدعي للحضور قبل ساعات من وصول المسؤولين، هل كان حاضراً للاستماع إلى برنامج انتخابي ومناقشة قضايا منطقته، أم كان مجرد رقم مطلوب لملء القاعة وإظهار حجم التعبئة الجماهيرية؟

وهبي يعود إلى تارودانت.. ولكن أين كان طوال الولاية؟

غير أن السؤال الأكبر لا يتعلق بالقاعة ولا بالوليمة ولا حتى بحضور فوزي لقجع، بقدر ما يرتبط بالمرشح الذي جاء هذا الحشد الانتخابي، وفق المعطيات المتداولة، لدعمه في تارودانت الشمالية: عبد اللطيف وهبي.

وهبي، الذي سبق أن فاز بمقعده البرلماني عن تارودانت الشمالية، يعود اليوم إلى المنطقة في سياق انتخابي جديد، حاملاً معه خطاباً انتخابياً جديداً، لكن الساكنة من حقها أن تطرح عليه سؤالاً قديماً وبسيطاً: ماذا قدمتم لهذه المناطق خلال الفترة الماضية؟

فالمواطن الذي وجد نفسه ليلة الأحد داخل قاعة ضخمة، بعد ساعات من الانتظار، من حقه أن يقارن بين حجم الاستنفار الذي شهده اللقاء الانتخابي وبين حجم الحضور الفعلي للوزير في قضايا المنطقة طوال السنوات الماضية.

وتارودانت الشمالية ليست في حاجة إلى صور انتخابية عابرة أو تجمعات ضخمة فقط، بل تحتاج إلى من يترافع عن طرقها ومسالكها، وعن فك العزلة عن دواويرها، وعن الماء والصحة والتعليم وفرص الشغل والاستثمار والبنيات الأساسية.

من الحضور الانتخابي إلى سؤال الحصيلة

المشكلة، بالنسبة إلى منتقدي وهبي في المنطقة، ليست في تنظيم لقاء انتخابي، فذلك حق مشروع لكل حزب ومرشح، وليست في حضور قيادات وطنية من حجم عبد اللطيف وهبي وفوزي لقجع.

المشكلة الحقيقية هي الفارق بين ضخامة المشهد الانتخابي وبين واقع المنطقة.

فإذا كانت جماعة المهارة والمناطق المحيطة بها لا تزال تعاني من خصاص في عدد من البنيات الأساسية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا يتحول هذا الحشد السياسي الكبير إلى حشد مماثل من أجل جلب المشاريع والاستثمارات وفك العزلة عن الساكنة؟

ولماذا يستطيع الحزب توفير عشرات ملايين السنتيمات لقاعة مؤقتة ووجبات ونقل وتجهيزات من أجل ليلة واحدة، بينما تستمر مناطق بأكملها في انتظار مشاريع تنموية قادرة على تغيير حياتها بشكل دائم؟

لقجع حضر.. لكن وهبي هو المعني بالسؤال

أما حضور فوزي لقجع، فقد منح اللقاء زخما وطنيا وإعلاميا كبيرا، خصوصاً بالنظر إلى موقعه داخل المشهد السياسي والحكومي، غير أن وجوده لا ينبغي أن يحجب جوهر النقاش المحلي.

فالقضية في تارودانت الشمالية ليست من حضر إلى المنصة لساعات، وإنما من كان حاضراً مع الساكنة طوال السنوات الماضية، ومن غاب عنها ثم عاد إليها عندما اقترب موعد الانتخابات.

وهنا يصبح عبد اللطيف وهبي، باعتباره المرشح المعني مباشرة بهذا الاستحقاق، في صدارة المساءلة.

فالانتخابات ليست مسابقة في حجم القاعات، ولا في عدد السيارات التي تصل إلى مكان التجمع، ولا في عدد الوجبات المقدمة للحاضرين، وإنما يفترض أن تكون مناسبة لمحاسبة المنتخبين على ما قدموه وما لم يقدمونه.

تارودانت الشمالية لا تحتاج إلى ليلة انتخابية.. بل إلى سنوات من العمل

قد تنتهي الموسيقى، وتفك القاعة، وتغادر السيارات، ويعود كل شخص إلى دواره، لكن الأسئلة التي طرحتها هذه الليلة ستبقى.

هل تحتاج جماعة المهارة إلى تجمع انتخابي ضخم أم إلى مشاريع بنيوية؟

هل تحتاج الساكنة إلى وليمة انتخابية أم إلى خدمات صحية وتعليمية وماء وطرق وفرص شغل؟

وهل يكفي أن يعود المرشح إلى المنطقة قبل الانتخابات ليطلب أصوات سكانها، بعدما ظل، وفق انتقادات محلية، بعيداً عن عدد من قضاياها ومطالبها؟

هذه هي الأسئلة التي يفترض أن يجيب عنها عبد اللطيف وهبي، ليس فوق منصة انتخابية أمام آلاف الحاضرين، وإنما أمام ساكنة تارودانت الشمالية التي تملك في النهاية الكلمة الفصل يوم الاقتراع.

فالحشد قد يملأ القاعة في ليلة واحدة، لكن صناديق الاقتراع هي التي ستكشف ما إذا كان ذلك الحشد قد تحول فعلاً إلى قناعة انتخابية، أم أنه لم يكن سوى مشهد انتخابي ضخم فوق أرض ما تزال تنتظر التنمية.

Banner Narsa
المقال التالي