آخر الأخبار
Banner Narsa
Banner Narsa
Banner Narsa

“أين النيابة العامة؟”.. اتهامات ثقيلة تتقاذفها الأحزاب وسط صمت قضائي مثير للجدل

Banner Narsa

«يتلقى وكيل الملك الشكايات والوشايات، ويتخذ بشأنها ما يراه ملائما؛ فيأمر بحفظها إذا تبين له عدم جديتها، أو يأمر بإجراء بحث تمهيدي، ثم يقرر تحريك المتابعة إذا أسفر هذا البحث عن ثبوت فعل يشكل جريمة». هذا ما تنص عليه المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية المغربي، التي تمنح النيابة العامة سلطة التحرك بمجرد بلوغها معطيات تفيد وقوع جريمة، دون اشتراط تقديم شكاية رسمية مسبقة. وهو نص يعود إلى الواجهة مع كل اتهام ثقيل يتقاذفه المرشحون والأحزاب خلال الحملة الانتخابية الجارية، دون أن يقابله دائما التحرك القضائي المنتظر.

فمنذ انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، تصاعدت الاتهامات المتبادلة بين المرشحين والأحزاب، خاصة تلك التي شاركت في الحكومة المنتهية ولايتها، لتطال ملفات تمس المال العام والمال الانتخابي والمعطيات الشخصية وتجارة المخدرات.

وبينما اقتصر التحرك القضائي المعلن على قضية واحدة، تبقى بقية الاتهامات معلقة بين السجال السياسي والانتظار القضائي، وهو ما يطرح سؤالا مباشرا: أين النيابة العامة من هذا الكم من المزاعم الخطيرة؟

270 طنا من المخدرات ومرشحون «محميون»: الاتهام الأخطر في الحملة

يتصدر تصريح مصطفى الإبراهيمي، مرشح حزب العدالة والتنمية، قائمة أخطر الاتهامات، بعدما تحدث عن وجود 270 طنا من المخدرات، رابطا بين عائداتها المفترضة وتمويل الترشيحات والانتخابات، وهو ما دفع الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة إلى الأمر بفتح بحث قضائي في مضمون التصريح، استنادا إلى المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية.

وفي المقابل، وجه العربي المحرشي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، اتهاما لا يقل خطورة حين تحدث عن وجود مرشحين مرتبطين بتجارة المخدرات ويحظون بحماية سياسية، دون أن يتضح حتى الآن ما إذا كانت النيابة العامة قد فتحت بحثا بشأنه، أو ما إذا كان المحرشي قدّم أسماء أو معطيات تدعم روايته. ويُذكر أن التشريع المغربي المتعلق بمكافحة المخدرات يعاقب على الاتجار فيها بعقوبات مشددة، ما يجعل الفارق في التعامل بين الاتهامين لافتا.

280 مليار درهم.. سؤال المساءلة المعلّق

فتح الحديث عن إنفاق الحكومة نحو 280 مليار درهم لحماية القدرة الشرائية، الذي كشف عنه فوزي لقجع، بابا آخر للجدل، بعدما طالب إدريس الأزمي الإدريسي، القيادي في حزب العدالة والتنمية، بالمساءلة والمحاسبة حول كيفية صرف المبلغ ومدى تحقق الأهداف المعلنة منه.

ويتعلق الأمر هنا بمطالبة سياسية ومالية بالمحاسبة، لا بتبديد ثابت للمال العام، غير أن حجم المبلغ وطبيعته يجعلان السؤال مشروعا حول آليات الرقابة على الإنفاق العمومي، خصوصا أن القانون الجنائي يجرّم اختلاس المال العام أو التصرف فيه خارج الأغراض المخصصة له إذا ثبت ذلك قضائيا.

صفقة الخمسين مليونا وملف «فرصة»: تضارب مصالح أم سجال سياسي؟

اتهم هشام المهاجري، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، محمد شوكي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، بالاستفادة من تعديل مرسوم يتعلق بقروض الجماعات الترابية، مكّن شركة قال إنه أسسها من إقراض جماعة أكادير، التي يرأسها عزيز أخنوش، مبلغ 50 مليون درهم، بفارق في سعر الفائدة وصفه بأنه يثير شبهة تضارب المصالح.

وفي ملف مواز، اتهم المهاجري جهات مرتبطة ببرنامج «فرصة» باستغلال معطيات نحو 200 ألف شاب مستفيد منه لأغراض انتخابية لفائدة حزب الأحرار، وهو اتهام يستحضر مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. وتبقى الواقعتان، في غياب وثائق أو تحقيق رسمي، اتهامات سياسية تستوجب التحقق قبل ترتيب أي مسؤولية قانونية.

من «الجبن الفاسد» إلى شراء الذمم: حرب الأحزاب داخل الحكومة الواحدة

تبدو المواجهة بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة الأكثر حدة، رغم انتماء الحزبين إلى الأغلبية الحكومية ذاتها، وتجلت في اتهام لحسن السعدي، القيادي في حزب الأحرار، لعبد الرحيم بنضو، القيادي في «البام»، ببيع «الجبن الفاسد» للمغاربة، في تصريح يحتاج إلى وقائع تجارية محددة للخروج من دائرة السجال السياسي إلى المسؤولية القانونية المرتبطة بسلامة المستهلكين.

وإلى جانب ذلك، تبادل الحزبان اتهامات باستقطاب المنتخبين واستعمال النفوذ، فيما عاد إلى الخطاب الانتخابي ملف شراء الأصوات واستعمال المال لاستمالة الناخبين، وهو فعل يجرّمه القانون الانتخابي المغربي ويعرّض مرتكبيه لعقوبات تصل إلى الحبس، مع إمكانية إبطال نتيجة الانتخاب. غير أن غالبية التصريحات المتداولة بقيت عند حدود الاتهام العام دون أسماء أو وقائع قابلة للتحقق.

بحث واحد مقابل عشر اتهامات: أين يكمن الخلل؟

تكشف هذه الملفات عن فجوة بين حجم الاتهامات التي باتت جزءا من الخطاب الانتخابي ومستوى التحقق الرسمي منها، إذ لم تتحرك النيابة العامة رسميا سوى في قضية الإبراهيمي المتعلقة بتمويل الانتخابات بأموال المخدرات، وفي واقعة استعمال مكبر صوت مسجد لأغراض حزبية، بينما ظلت اتهامات المحرشي والمهاجري والسعدي وغيرها دون تحريك أبحاث معلنة بالوتيرة نفسها.

ولا يعني هذا التفاوت بالضرورة تقصيرا، إذ إن تقدير توفر عناصر تستوجب البحث يدخل في صميم اختصاص النيابة العامة، كما أن اختلاف طبيعة الوقائع والمعطيات المتاحة قد يبرر تباين الإجراءات. غير أن تعدد الاتهامات وثقلها يجعلان سؤال تكافؤ المعايير مشروعا: هل تتعامل المؤسسات القضائية مع هذه الادعاءات وفق معيار موحد، بصرف النظر عن هوية مطلق الاتهام أو الحزب المستهدف به؟ ويبقى الجواب رهين ما ستفصح عنه الأيام المقبلة من تحركات قضائية أو معطيات إضافية تقدمها الأطراف المعنية للسلطات المختصة.

Banner Narsa
المقال التالي