آخر الأخبار
Banner Narsa

450 مليون دولار ومليون طن من الأسمدة.. صفقة مغربية-أمريكية تعيد ربط الفوسفاط بملف الصحراء

Banner Narsa

يعيد الاتفاق الأخير بين شركة «أو سي بي أمريكا الشمالية» (OCP North America) وشركة «سي إتش إس» (CHS) الأمريكية إلى الواجهة سؤالًا لطالما راود المتابعين للعلاقات المغربية الأمريكية: هل يمكن فصل الانفتاح الاقتصادي غير المسبوق الذي تشهده الرباط وواشنطن عن الملف السياسي الأكثر حساسية بالنسبة إلى المغرب، أي قضية الصحراء؟ فالمصنع الذي تناهز تكلفته 450 مليون دولار، والمرتقب أن ينتج أكثر من مليون طن متري من الأسمدة الفوسفاطية سنويًا، لم يأتِ في فراغ، بل تزامن مع مسار تصاعدي في العلاقات الثنائية بدأ يأخذ شكله منذ الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب في يناير 2025.

من الرسوم الجمركية إلى السجادة الحمراء.. ما الذي تغيّر فعلًا؟

قبل أشهر قليلة فقط، كان المكتب الشريف للفوسفاط يصارع رسومًا جمركية مفروضة على صادراته نحو السوق الأمريكية. وبشكل رسمي ودقيق، فُرضت هذه الرسوم التعويضية لأول مرة سنة 2021 بنسبة قاربت 20% على واردات الفوسفاط المغربي، قبل أن يوقّع ترامب في 29 يونيو 2026 مرسومًا رئاسيًا يعلن حالة طوارئ وطنية بشأن إمدادات الأسمدة، ويعلّق بموجبه هذه الرسوم لثمانية أشهر. والمثير أن الإدارة الأمريكية نفسها قدّرت أن هذا التعليق سيخفض أسعار الأسمدة الفوسفاطية بنحو 22%، ويوفر على الفلاحين الأمريكيين نحو 1.82 مليار دولار سنويًا. هذا الانقلاب السريع في الموقف الأمريكي، خلال أقل من سنتين، يطرح تساؤلات مشروعة: هل هو نتاج منطق اقتصادي بحت، أم أنه يحمل أبعادًا أخرى غير معلنة؟

هل يكافئ ترامب الرباط على ثباتها في قضية الصحراء؟

لا يمكن تناول هذا التقارب بمعزل عن الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، الذي أعلنه ترامب خلال ولايته الأولى في ديسمبر 2020. ويرى مراقبون أن استمرار هذا الاعتراف، وتعزيزه بمكاسب اقتصادية ملموسة، كتعليق الرسوم الجمركية وضخ استثمارات صناعية كبرى، يمكن قراءته كرسالة سياسية ضمنية تكافئ بها واشنطن حليفها المغربي على مواقفه الثابتة إقليميًا. في المقابل، يشدد فريق آخر من المحللين على أن هذا الطرح يبالغ في السياسة على حساب الاقتصاد، وأن الولايات المتحدة تتصرف أولًا وفق مصلحتها الفلاحية الداخلية، خصوصًا في ولايات جمهورية تُعد خزّانًا انتخابيًا لترامب.

واشنطن تتحدث لغة الأرقام.. فهل المنطق الاقتصادي وحده كافٍ للتفسير؟

المدافعون عن الطرح الاقتصادي يستندون إلى معطيات ملموسة: المغرب يمتلك وحده قرابة 70% من الاحتياطي العالمي من صخور الفوسفاط، وهي ورقة نفوذ اقتصادي لا علاقة لها بالضرورة بأي ملف سياسي. كما أن المشروع المشترك سيخلق، وفق تقديرات الشركتين، نحو 60 منصب شغل قارًا و500 منصب مؤقت في مرحلة البناء، وهو ما يخدم مباشرة الفلاح والعامل الأمريكيين قبل أي اعتبار جيوسياسي. غير أن هذا التفسير لا ينفي، في نظر المتشككين، أن تُوظَّف الحاجة الاقتصادية كغطاء لتمرير قرارات ذات بُعد سياسي واضح تجاه حليف إقليمي بحجم المغرب.

الجزائر تراقب من بعيد.. فهل يزعجها هذا التقارب المتصاعد؟

يأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه العلاقات الجزائرية المغربية توترًا مستمرًا، ما يجعل أي تعزيز للحضور المغربي في واشنطن، اقتصاديًا كان أم سياسيًا، محل تدقيق من الجارة الشرقية. ورغم غياب أي تعليق رسمي جزائري مباشر على صفقة الفوسفاط، فإن السياق الإقليمي العام يجعل من الصعب فصل هذا الملف عن ميزان النفوذ المتحرك في شمال إفريقيا.

فوسفاط بلا سياسة أم سياسة بغطاء اقتصادي؟

يبقى الجواب الحاسم عن طبيعة الرابط بين الملفين رهين تصريحات رسمية لم تصدر بعد من الطرفين، إذ حرصت كل من الرباط وواشنطن حتى الآن على تقديم الاتفاق في إطاره التجاري الصرف. غير أن توقيت الصفقة، وحجم الدعم السياسي الذي حظيت به من أعلى مستويات الإدارة الأمريكية، يجعلان من الصعب على المتابعين فصل الاقتصادي عن السياسي فصلًا تامًا في قراءة هذا الملف.

Banner Narsa
المقال التالي