كاتالونيا تنتفض من جديد.. “يوم الاستقلال” يعيد فتح جرح إسبانيا القديم


تحيي منطقة كاتالونيا، اليوم الجمعة، عيدها الوطني المعروف باسم «La Diada»، في مناسبة تحولت على مدى عقود من مجرد ذكرى تاريخية إلى محطة بارزة للتعبير عن الهوية الكاتالونية، وتجديد المطالب المرتبطة بحق تقرير المصير والاستقلال عن إسبانيا، وهي القضية التي فجرت واحدة من أبرز الأزمات السياسية والدستورية التي شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة.
وتأتي ذكرى هذا العام في ظل عودة التعبئة داخل الحركة الاستقلالية، بعدما دعت الجمعية الوطنية الكاتالونية ومنظمة «Òmnium Cultural» وعدد من التنظيمات السيادية إلى تنظيم مظاهرات في برشلونة وجيرونا وأمبوستا تحت شعار «أنا هنا.. نحن هنا.. الاستقلال». ومن المرتقب أن تنطلق مسيرتان في برشلونة عند الساعة 17:14، في إشارة رمزية إلى سنة 1714، على أن تلتقيا لاحقاً في ساحة كاتالونيا.
وسبق الموعد الرسمي توتر في برشلونة، بعدما شهد محيط «Fossar de les Moreres»، مساء الخميس، مواجهات بين متظاهرين من اليسار الاستقلالي ومعارضين لتجمع نظمته حركة «Aliança Catalana». وتدخلت قوات مكافحة الشغب لفض المواجهات، ما أسفر عن توقيف ثلاثة أشخاص.
وترتبط رمزية يوم 11 شتنبر بسقوط برشلونة سنة 1714 أمام قوات الملك فيليب الخامس، عقب حصار استمر نحو 14 شهراً خلال حرب الخلافة الإسبانية. وأعقب ذلك إلغاء عدد من المؤسسات والقوانين الكاتالونية التاريخية، لتتحول الذكرى مع مرور الوقت إلى رمز لما تعتبره الحركة القومية الكاتالونية فقداناً للحريات والمؤسسات السياسية.
وبدأت الاحتفالات المنظمة بهذه المناسبة في أواخر القرن التاسع عشر، وتحديداً سنة 1886، قبل أن تتعرض للمنع خلال فترات مختلفة، خصوصاً في عهد ديكتاتورية فرانكو. وبعد الانتقال الديمقراطي، عادت المناسبة إلى الواجهة، قبل أن تصبح عيداً وطنياً رسمياً لكاتالونيا سنة 1980.
ومع بداية الألفية الجديدة، تجاوزت المطالب الكاتالونية مسألة حماية اللغة والثقافة وتوسيع نطاق الحكم الذاتي، حيث اكتسب التيار الداعي إلى الاستقلال زخماً متزايداً، خصوصاً عقب قرار المحكمة الدستورية الإسبانية سنة 2010 بشأن نظام الحكم الذاتي الذي أقر سنة 2006، والذي أُبطلت أو أُعيد تفسير أجزاء منه، من بينها مقتضيات مرتبطة بالصفة القانونية لكاتالونيا باعتبارها «أمة».
وشكل القرار، إلى جانب تداعيات الأزمة الاقتصادية والخلافات المتعلقة بالنظام الضريبي وتوزيع الموارد بين مدريد وكاتالونيا، نقطة تحول دفعت قطاعات واسعة من الحركة القومية نحو تبني مطلب الانفصال بشكل أكثر وضوحاً.
وبلغت المواجهة ذروتها في الأول من أكتوبر 2017، عندما نظمت حكومة كاتالونيا استفتاءً حول الاستقلال، رغم قرار المحكمة الدستورية بتعليقه. وأعلنت السلطات الكاتالونية آنذاك أن 90.18 في المائة من المشاركين صوتوا لصالح الاستقلال، فيما بلغت نسبة المشاركة نحو 43 في المائة من مجموع الناخبين المسجلين، وسط مقاطعة واسعة من المعارضين للانفصال.
وخلف ذلك اليوم واحدة من أكثر اللحظات حضوراً في الذاكرة السياسية الكاتالونية، بعدما تدخلت الشرطة الوطنية والحرس المدني لإغلاق عدد من مراكز الاقتراع ومصادرة صناديق التصويت. كما وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» لاحقاً استخداماً مفرطاً للقوة في عدد من المواقع، في حين أعلنت السلطات الصحية الكاتالونية تسجيل مئات الإصابات.
وبعد إعلان البرلمان الكاتالوني الاستقلال في أكتوبر 2017، ردت حكومة مدريد بتفعيل المادة 155 من الدستور الإسباني، ما أدى إلى إقالة الحكومة الإقليمية وفرض إدارة مباشرة مؤقتة على الإقليم، قبل الدعوة إلى انتخابات جديدة.
وبعد نحو تسع سنوات على تلك الأزمة، لم تختف القضية من المشهد السياسي الإسباني، رغم تراجع التعبئة الشعبية التي بلغت ذروتها خلال ما عُرف بـ«مسار الاستقلال». ولا يزال مطلب تقرير المصير حاضراً بقوة داخل الحياة السياسية الكاتالونية.
وفي المقابل، انتقلت المواجهة بدرجة كبيرة من الشارع إلى المؤسسات، خصوصاً مع اعتماد قانون العفو وفتح قنوات للحوار بين الحكومة المركزية في مدريد والأحزاب الكاتالونية، فيما لا يزال تنظيم استفتاء قانوني ومتوافق عليه بشأن مستقبل الإقليم من أبرز المطالب التي يتمسك بها التيار السيادي.
ولا تقتصر إشكالية تقرير المصير داخل إسبانيا على كاتالونيا، إذ تواصل قوى سياسية رئيسية في إقليم الباسك، من بينها الحزب القومي الباسكي «PNV» وتحالف «EH Bildu»، المطالبة بالاعتراف بـ«الأمة الباسكية» وبحقها في تقرير مستقبلها السياسي. وكان الحزبان قد عبّرا في يوليوز 2026 عن موقف مشترك يدعو إلى بناء علاقة جديدة مع الدولة الإسبانية تقوم على الثنائية واحترام الإرادة الديمقراطية للمواطنين.
وهكذا، يعود يوم 11 شتنبر من كل سنة ليعيد إلى الواجهة سؤال طبيعة الدولة الإسبانية ومستقبل علاقتها بالمجتمعات ذات الخصوصيات القومية، في ظل تمسك مدريد بوحدة السيادة التي ينص عليها الدستور، مقابل قوى سياسية كاتالونية وباسكية ترى أن الديمقراطية يجب أن تشمل أيضاً حق المواطنين في تقرير مستقبلهم السياسي.
وتظل كاتالونيا، في خضم هذا الجدل، النموذج الأكثر وضوحاً لصراع تجاوز حدود الذاكرة التاريخية والهوية الثقافية، ليصبح نقاشاً حول شكل الدولة الإسبانية وحدود الحكم الذاتي، ومدى إمكانية ممارسة حق تقرير المصير داخل إسبانيا.





تعليقات