آخر الأخبار
Banner Narsa
Banner Narsa
Banner Narsa

حصري: وثائق استخبارات الجيش الإسباني تبرّئ المغرب من تشجيع موجة الهجرة نحو سبتة (وثيقة)

Banner Narsa

توصلت «مغرب تايمز»، بعد اطلاعها على وثائق استخباراتية إسبانية، إلى معطيات تنفي وجود مؤشرات على أن المغرب كان يشجع بشكل نشط موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة أواخر يوليوز 2026، وهي الأكبر منذ أزمة 2021 التي شهدت وصول نحو 10 آلاف مهاجر. وتكشف الوثائق، في المقابل، أن الأزمة كانت نتيجة تداخل عوامل عدة، بينها التعبئة عبر شبكات التواصل، وسوء تقدير حجم التحرك، وتداعيات حكم قضائي إسباني، إلى جانب تفاوت مستوى التدخل الأمني المغربي خلال مراحل الأزمة.

وثائق استخباراتية تعيد ترتيب رواية أزمة سبتة

رفعت الحكومة الإسبانية السرية عن 40 وثيقة ومراسلة مرتبطة بأزمة سبتة، تغطي الفترة من فاتح إلى 31 يوليوز، وتشمل تقارير المركز الوطني للاستخبارات (CNI)، ومركز استخبارات القوات المسلحة (CIFAS)، والشرطة الوطنية، والحرس المدني. ويكتسب تقرير CIFAS الصادر ظهر 30 يوليوز أهمية خاصة، لأنه يقدم تقييماً استخباراتياً لطبيعة التحرك المغربي في الوقت الذي كانت فيه الأزمة تتسع ميدانياً.

التقييم الإسباني يضعف فرضية «التشجيع المغربي»

التقييم الوارد في التقرير لا يذهب في اتجاه اتهام المغرب بتنظيم موجة الهجرة أو الدفع إليها، بل يخلص إلى أنه «من المرجح جداً» ألا تكون السلطات المغربية تشجع بشكل نشط هذه الموجة. وفي الوقت نفسه، يصف التقرير تعاملها حتى ذلك التاريخ بأنه اتسم بـ«الإهمال والسلبية». وهنا تبرز نقطة أساسية: الوثيقة تميز بين عدم وجود سياسة مغربية لدفع المهاجرين نحو سبتة وبين تقييمها السلبي لمدى فعالية التدخل الأمني المغربي.

الأرقام نفسها تكشف عن تدخل مغربي، وإن كان محدوداً

وتؤكد معطيات الوثيقة هذا التمييز؛ فالتقرير، رغم حديثه عن سلبية مغربية، يسجل اعتراض القوات المغربية نحو 500 محاولة عبور من أصل نحو 1100 محاولة سُجّلت. وبحسب ما توصلت إليه «مغرب تايمز» من قراءة الوثائق، فإن هذه الأرقام لا تنسجم مع فرضية غياب التدخل بشكل كامل، بل تشير إلى تحرك ميداني جزئي لم يكن كافياً لاحتواء تدفق غير مسبوق. كما تكشف الوثائق عن تفاوت في النشاط الأمني بين محيط سبتة ومليلية، وهو ما يفسر جزئياً التقييم الإسباني المتحفظ تجاه الأداء المغربي.

الأزمة اتسعت أسرع من التقديرات الأولى

ويظهر هذا التفاوت أيضاً في تقدير حجم الأزمة. فقد حدد تقرير الدفاع الإسباني الداخلي يوم 25 يوليوز نقطة بداية لها، وتحدث حينها عن وصول نحو 1700 مهاجر عبر البحر. غير أن هذا الرقم لم يكن سوى صورة مؤقتة لحظة إعداد التقرير، قبل أن تتسارع الأحداث بشكل كبير. وبحلول 30 يوليوز والليلة التالية، عبر ما يقارب 60 ألف مهاجر إلى مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 85 ألف نسمة، ليصل العدد الإجمالي لاحقاً إلى نحو 73 ألفاً و500 شخص بحسب وكالة الأنباء الإسبانية «إفي»، مع احتساب من عبروا أكثر من مرة ومن وصلوا قبل الموجة الكبرى. وأسفرت الأحداث عن عشرات الوفيات غرقاً ودهساً، تراوحت حصيلتها بين 71 و74 حالة وفاة وفق المصادر الإسبانية، مقابل 20 جثة عثرت عليها السلطات المغربية.

إنذار إسباني سبق ذروة الأزمة، لكن التحرك المغربي لم يبدأ معه

وقبل بلوغ الأزمة ذروتها، كان الجانب الإسباني قد تلقى مؤشرات على احتمال وقوع تحرك جماعي. ففي مساء 29 يوليوز، أبلغ عنصر استخباراتي إسباني مندوبية الحكومة في سبتة بوجود دعوات على شبكات التواصل لـ«اقتحام السياج والدخول عبر البحر» في اليوم التالي، مستغلة احتفالات عيد العرش وانشغال الأمن المغربي. كما أُرسل إنذار مشابه إلى الأجهزة المغربية في المساء نفسه. لكن قراءة الوثائق تشير إلى أن التحرك المغربي لم يكن مرتبطاً حصراً بالمذكرة الإسبانية، إذ كانت الأجهزة المغربية قد بدأت ميدانياً في التعامل مع الوضع والتحذير من تداعيات الحكم القضائي قبل وصولها، فيما اختُتمت المذكرة الإسبانية بشكر الأجهزة المغربية، بما فيها DGST وDGED، على تعاونها.

حكم قضائي غذّى التعبئة الرقمية قبل الموجة

وفي خلفية هذا التسلسل، يبرز عامل إسباني داخلي آخر. فقد ربط التقرير جزءاً من تصاعد الأزمة بحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية في 29 يونيو 2026، ونُشر في 8 يوليوز، بشأن إجراءات التعامل مع المهاجرين الذين يصلون سباحة إلى سبتة أو مليلية دون تجاوز حاجز مادي. وبموجب الحكم، لا يمكن إخضاع هؤلاء مباشرة لإجراء «الإعادة الفورية»، وإنما يتعين اتباع إجراءات عودة نظامية خلال 72 ساعة كحد أقصى. وصدر الحكم في الأصل في قضية مهاجر جزائري حاول الوصول سباحة سنة 2024، قبل أن ينتشر تفسير مبسط له عبر شبكات التواصل باعتباره فتحاً لـ«حدود مفتوحة»، وهو ما ساهم في تعزيز التعبئة الرقمية قبيل الموجة.

الاستخبارات توقعت تشدد المغرب بعد انتهاء احتفالات عيد العرش

وتكشف الوثائق أيضاً أن الاستخبارات الإسبانية لم تتعامل مع الموقف المغربي باعتباره ثابتاً. فقد جاء الحديث عن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، التي جرت فعلاً في 20 يوليوز 2026، بصيغة حذرة، مع عدم استبعاد وجود استياء داخل دوائر محيطة بالقصر الملكي. وفي الوقت نفسه، توقع مركز الاستخبارات أن تعزز القوات المغربية انخراطها في مكافحة الهجرة ابتداءً من فاتح غشت، أي مباشرة بعد انتهاء احتفالات عيد العرش. وهو ما يعكس قراءة إسبانية للموقف المغربي باعتباره قابلاً للتشدد الأمني، لا باعتباره سياسة مفتوحة لتشجيع الهجرة.

بين مسؤولية اندلاع الأزمة وإمكانية استغلال نتائجها

ومع ذلك، لم تستبعد الاستخبارات الإسبانية احتمالاً مختلفاً يتمثل في إمكانية استفادة المغرب استراتيجياً من تداعيات الأزمة في سبتة. غير أن هذا التقدير يختلف جذرياً عن اتهام المغرب بالتخطيط للموجة أو إطلاقها؛ فالوثائق، بحسب مضمونها، تفصل بين من يقف وراء اندلاع الأزمة وبين من يمكن أن يستفيد من نتائجها السياسية أو الاستراتيجية.

وبذلك تقدم الوثائق رواية أكثر تعقيداً من فرضية «التشجيع المغربي»: تحرك أمني مغربي موجود لكنه غير كافٍ، إنذار إسباني سبق الذروة، تعبئة رقمية غذتها قراءة واسعة لحكم قضائي، وتقديرات استخباراتية كانت تتغير مع تغير حجم التدفق. وفي هذا السياق، تبدو خلاصة الاستخبارات الإسبانية أكثر تحديداً من السرديات السياسية التي ربطت الأزمة مباشرة بقرار مغربي، إذ لم تجد في تقييمها مؤشرات كافية على وجود تشجيع مغربي نشط للموجة، مع إبقاء باب الاستفادة من تداعياتها الاستراتيجية مفتوحاً.

Banner Narsa
المقال التالي