بعد أكثر من 50 سنة.. إسبانيا تنبش إرثها الاستعماري في الصحراء المغربية بجواز السفر وبرلمان مدريد يفتح الملف اليوم


يعود ملف الصحراء المغربيه إلى واجهة المشهد السياسي الإسباني من بوابة مشروع قانون مثير للجدل، يناقشه مجلس النواب الإسباني اليوم الخميس، ويقضي بإقرار مسطرة خاصة لمنح الجنسية الإسبانية لفئة من الصحراويين المولودين في أقاليمنا الجنوبية خلال فترة الإدارة الإسبانية، في خطوة تطرح أسئلة واسعة حول خلفياتها السياسية والقانونية وانعكاساتها المحتملة على العلاقات بين مدريد والرباط.
ويستهدف المشروع الأشخاص الذين وُلدوا في الصحراء المغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية، مع اعتماد تاريخ 29 شتنبر 1977 كحد زمني للاستفادة من المقتضيات الجديدة. ولا يتعلق الأمر بمنح الجنسية بشكل جماعي وتلقائي، بل بفتح مسطرة خاصة أمام الأشخاص الذين تتوفر فيهم الشروط المحددة، مع إمكانية إثبات واقعة الولادة في الإقليم خلال الفترة المعنية بواسطة وثائق إدارية أو سجلات رسمية أو مستندات أخرى تقبلها السلطات الإسبانية.
ويمنح النص، في حال اعتماده نهائياً، المعنيين إمكانية طلب الجنسية الإسبانية عبر مسطرة “Carta de Naturaleza”، وهي آلية استثنائية منصوص عليها في القانون الإسباني، كما يقترح تسهيلات إضافية مرتبطة بمدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية. وتكمن أهمية المشروع في كونه لا يحصر الاستفادة في الأشخاص الموجودين فوق التراب الإسباني، وإنما يفتح الباب أمام فئة أوسع من المولودين في الصحراء خلال الفترة المحددة، وفق الشروط والإجراءات التي يضعها القانون.
غير أن هذه الخطوة لا تحظى بإجماع سياسي أو قانوني، إذ تطرح بشأنها انتقادات تتساءل عن سبب إعادة فتح ملف يعود إلى مرحلة استعمارية انتهت قبل أكثر من خمسة عقود. ويرى منتقدون أن انتهاء الإدارة الإسبانية للإقليم منذ سبعينيات القرن الماضي يجعل من الضروري البحث في الدوافع الفعلية وراء منح امتياز قانوني خاص لأشخاص ولدوا خلال تلك المرحلة، خصوصاً أن المبادرة تأتي في سياق سياسي حساس يرتبط مباشرة بملف الصحراء والعلاقات المغربية الإسبانية.
وفي قراءة لخلفيات المشروع، يرى متابعون للملف أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الخطوة قانونية أو إنسانية، وإنما بما إذا كانت تحمل في جوهرها أهدافاً سياسية. ويعتبر أن استمرار إسبانيا في استحضار الصحراء من خلال إجراءات من هذا النوع يمكن أن يُفهم باعتباره محاولة للحفاظ على حضور القضية داخل المشهد السياسي والقانوني الإسباني، وتحويلها إلى ورقة يمكن توظيفها في سياقات مختلفة.
ويحذر الطرح نفسه من أن معالجة الملف بهذه الطريقة قد تتجاوز مسألة الجنسية الفردية لتنتج وضعاً قانونياً وسياسياً أكثر تعقيداً مستقبلاً، خصوصاً إذا اتسعت دائرة المستفيدين وامتدت آثار الجنسية إلى أسرهم وذريتهم. كما يثير أصحاب هذا الرأي مسألة منح دولة أجنبية جنسيتها لأشخاص تربطهم علاقة قانونية بدولة أخرى، معتبرين أن ذلك قد يخلق إشكالات مرتبطة بالوضع القانوني للأفراد وبمسؤولية الدول تجاه مواطنيها.
وتذهب الانتقادات أبعد من ذلك، بالتحذير من أن بناء روابط بشرية وقانونية جديدة حول ملف الصحراء قد يتحول مع مرور الوقت إلى عبء سياسي وقانوني على إسبانيا نفسها. فبدل إنهاء ملف تاريخي، قد تجد مدريد أمام امتدادات جديدة مرتبطة بأشخاص حاصلين على جنسيتها وبأبنائهم وذريتهم، خصوصاً إذا تطورت المواقف القانونية الدولية بشأن قضية الصحراء في اتجاه مختلف عن التصورات التي تستند إليها المبادرة الحالية.
كما يُنظر إلى المشروع باعتباره خطوة قد تكون لها تكلفة مباشرة على العلاقات المغربية الإسبانية، خاصة في ظل حساسية المرحلة الراهنة. فالعلاقات بين الرباط ومدريد، رغم التحسن الذي عرفته خلال السنوات الأخيرة، تظل مرتبطة بملفات شديدة الحساسية، من بينها الصحراء وسبتة المحتلة ومجموعة من القضايا الأمنية والهجرة والتعاون الاقتصادي.
ويأتي النقاش البرلماني في وقت بالغ الحساسية، ما يجعل توقيت المشروع محط اهتمام إضافي. فإعادة إدخال البعد التاريخي الإسباني للصحراء في التشريع الوطني قد تُقرأ في المغرب باعتبارها خطوة تتجاوز معالجة أوضاع أفراد لتلامس بشكل غير مباشر ملفاً سيادياً شديد الحساسية.
ويظل تصويت مجلس النواب محطة أساسية في مسار المشروع، لكنه لا يعني بالضرورة دخول القانون حيز التنفيذ فوراً، إذ يتعين استكمال باقي المراحل التشريعية المنصوص عليها في النظام الإسباني. ومع ذلك، فإن مجرد وصول المبادرة إلى هذه المرحلة يكشف حجم النقاش السياسي المحيط بها، ويجعل نتائج التصويت ومواقف مختلف القوى السياسية الإسبانية موضع متابعة، بالنظر إلى ما يمكن أن تتركه الخطوة من تداعيات داخلية وخارجية.





تعليقات