آخر الأخبار
Banner Narsa

هل فرض وهبي نفسه على سكان أرزان ضواحي تارودانت؟.. حين تتحول جماهير موسم عيساوى إلى ديكور انتخابي

Banner Narsa

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، تعود بعض الوجوه السياسية إلى الواجهة، ليس بالضرورة عبر حصيلة أو مشاريع أو حصيلة خمس سنوات من العمل الميداني، وإنما أحيانا عبر الصور والفيديوهات المصممة بعناية لتقديم انطباع بأن الجماهير تقف خلفها.

وفي العالم القروي تحديدا، حيث تشكل القرى والدواوير خزانا انتخابيا مهما، تصبح المناسبات والمواسم فضاءات مغرية للسياسيين من أجل الظهور والتواصل مع المواطنين. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كان السياسي حاضرا بين سكان المنطقة طوال السنوات الماضية، يستمع إلى مشاكلهم ويدافع عن مصالحهم، أم أنه اختار الظهور بينهم الآن فقط، مستغلا مناسبة شعبية جمعت مئات المواطنين قبل أيام من الانتخابات؟

وهبي يظهر في موسم عيساوي بأرزان

مساء أمس الثلاثاء، شهدت جماعة أرزان بإقليم تارودانت تنظيم “موسم عيساوى”، وهو موعد يعرف حضورا جماهيريا كبيرا، حيث توافد مئات المواطنين لمتابعة فعاليات الموسم الذي تنظمه إحدى الجمعيات.

وبينما كان الحاضرون منشغلين بمتابعة أجواء الموسم، تفاجأ الجمهور بدخول عبد اللطيف وهبي، وزير العدل والأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة والمرشح عن دائرة تارودانت الشمالية، التي تنتمي إليها جماعة أرزان.

إلى هنا، قد يبدو الأمر طبيعيا، فزيارة سياسي لمنطقة ينتمي إليها انتخابيا ليست حدثا استثنائيا.

لكن اللافت، بحسب المعاينة المباشرة، هو الطريقة التي تم بها تقديم هذه الزيارة والترويج لها لاحقا.

حشود الموسم تتحول إلى استقبال انتخابي

المفارقة أن الجمهور الذي ظهر في الصور والفيديوهات المتداولة لم يكن قد تجمع أصلا لاستقبال وهبي، وإنما كان موجودا لمتابعة موسم عيساوى الذي كان قائما قبل وصوله.

وهنا تبدأ الحكاية المثيرة للسخرية.

فبدل أن يلتقي المرشح بسكان أرزان في لقاء انتخابي واضح ومعلن، اختار الظهور وسط جمهور كان موجودا أصلا لمتابعة فعاليات موسم العيساوى. وخلال حضوره، وثق عدد من المصورين لحظة وصوله وتواجده وسط الحشود، قبل نشر مقاطع وصور قد تعطي انطباعا بأن سكان المنطقة تجمعوا خصيصا لاستقباله، بينما كانت المناسبة في الأصل شعبية وليست لقاء انتخابيا مخصصا له.

والفرق كبير بين أن تكون الجماهير قد جاءت لاستقبال مرشح، وبين أن يأتي المرشح إلى مكان توجد فيه الجماهير أصلا ثم تقدم تلك الجماهير باعتبارها حشدا انتخابيا لاستقباله.

إنها، ببساطة، لعبة الصورة حين تصبح الصورة أهم من الحقيقة.

أين كان وهبي طوال خمس سنوات؟

الأكثر إثارة في هذه الواقعة هو أن عبد اللطيف وهبي ليس وافدا جديدا على دائرة تارودانت الشمالية.

فالرجل نجح أصلا في الانتخابات السابقة عن هذه الدائرة، ما يعني أنه كان يملك خمس سنوات كاملة ليكون حاضرا بين سكانها، ويستمع إلى مشاكلهم، ويتابع قضاياهم، ويقدم حصيلة عمله أمامهم.

لكن، بحسب ما يؤكده أبناء المنطقة، فإن حضوره الميداني خلال هذه السنوات كان محدودا، بل منعدما، إلى درجة أن ظهوره المفاجئ، قبل أيام قليلة من الانتخابات، وسط حشود موسم شعبي، يطرح أكثر من علامة استفهام.

السؤال البسيط الذي يفرض نفسه هنا هو: أين كان وهبي طوال السنوات الخمس الماضية؟

هل كانت جماعة أرزان موجودة فقط عندما اقترب موعد الانتخابات؟

وهل تذكر الدائرة وسكانها الآن فقط لأن صناديق الاقتراع أصبحت على مرمى أيام؟

استقبال بلا مستقبلين من أبناء الجماعة

ومن أكثر التفاصيل إثارة للانتباه أن وهبي، خلال وصوله إلى الموسم، لم يكن ضمن طابور استقباله، بحسب المعاينة الميدانية، أي من أبناء أو مسؤولي الجماعة، باستثناء أحد الفلاحة المعروفين محليا بتغيير لونه السياسي من محطة انتخابية إلى أخرى.

فبعد أن كان محسوبا على حزب الاستقلال، انتقل في انتخابات 2021 إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، قبل أن يظهر اليوم مناصرا لحزب الأصالة والمعاصرة، في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في الانتخابات المغربية: السياسي الذي يتغير لونه كلما تغيرت موازين القوة والمصلحة.

وهنا لا يحتاج المشهد إلى كثير من التعليق.

فحتى الاستقبال بدا وكأنه يحتاج إلى من يستقبله!

من موسم شعبي إلى حملة انتخابية غير معلنة؟

المشكلة ليست في حضور وهبي لموسم عيساوى، فهذا حقه كمواطن وسياسي ومرشح.

المشكلة تكمن في تحويل مناسبة شعبية عادية إلى فرصة لصناعة مشهد انتخابي، ثم تقديم الحشود الموجودة أصلا باعتبارها جمهورا سياسيا جاء لمناصرة المرشح.

وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام تواصل سياسي حقيقي، أم أمام محاولة لصناعة صورة انتخابية بأقل تكلفة ممكنة؟

فالسياسي الذي يريد أصوات المواطنين يستطيع أن يلتقي بهم في الساحات والقرى والدواوير، وأن يشرح لهم برنامجه، وأن يقدم حصيلته، وأن يجيب عن أسئلتهم.

أما استغلال موسم شعبي مكتظ بالمواطنين للحصول على صور جماهيرية، ثم تقديمها وكأنها استقبال انتخابي، فذلك أقرب إلى التسويق السياسي الرخيص منه إلى التواصل الحقيقي.

رئيس جماعة تارودانت.. غياب طويل وحضور انتخابي مفاجئ

ولا تتوقف المفارقة عند دائرة تارودانت الشمالية.

فعبد اللطيف وهبي هو أيضا رئيس جماعة تارودانت، غير أن انتقادات محلية ظلت تلاحق طريقة حضوره وتدبيره للجماعة، وسط حديث عن غياب متكرر عن ممارسة مهامه بشكل مباشر، واضطلاع نوابه بجزء كبير من المسؤوليات اليومية.

وبحسب منتقديه محليًا، فقد عانت تارودانت خلال هذه المرحلة من التهميش والتخبط والعشوائية في التسيير، وهي ملفات يفترض أن تكون موضوع نقاش وحصيلة واضحة أمام المواطنين.

ومن هنا تبدو عودة وهبي إلى المشهد الانتخابي بحاجة إلى أكثر من صور وسط الجماهير.

المواطن لا يحتاج إلى صورة مع سياسي.

المواطن يحتاج إلى جواب: ماذا قدمت؟

خمس سنوات من الصمت لا تمحوها صورة واحدة

السياسة ليست “موسما عيساويا”.

والانتخابات ليست مناسبة لالتقاط الصور.

والجماهير ليست ديكورا انتخابيا يمكن استعارته لساعات ثم إعادته إلى مكانه بعد انتهاء المناسبة.

إذا كان وهبي يريد أصوات سكان تارودانت الشمالية، فمن حقهم أن يسألوه عن السنوات الخمس الماضية، وعن حصيلته، وعن حضوره بينهم، وعن الملفات التي دافع عنها، وعن المشاريع التي تحققت، وعن الوعود التي تحققت أو لم تتحقق.

أما أن يظهر قبل الانتخابات بأيام وسط حشد جماهيري جاء أصلًا لمتابعة موسم شعبي، ثم تتحول كاميرات المصورين إلى أداة لإنتاج صورة انتخابية تقول إن “سكان أرزان احتشدوا لاستقبال وهبي”، فهنا يصبح من حق الصحافة والمواطن أن يضعا علامات استفهام كبيرة.

ربما كان وهبي يعتقد أن السياسة تدار بالكاميرا، وأن زاوية التصوير يمكنها أن تصنع إجماعا انتخابيا.

لكن سكان أرزان يعرفون لماذا كانوا هناك.

جاؤوا لمتابعة موسم عيساوى، لا لحضور مهرجان انتخابي.

والفرق بين الأمرين لا يحتاج إلى وزير عدل لشرحه.

وفي نهاية المطاف، فإن محاولة تحويل مناسبة شعبية إلى استعراض انتخابي قد تنجح في صناعة بعض الصور، لكنها لا تستطيع صناعة حصيلة لم تنجز، ولا حضور ميداني لم يكن موجودا، ولا ثقة سياسية يمكن بناؤها في ليلة واحدة.

Banner Narsa
المقال التالي